الأربعاء، 17 أغسطس، 2016

الإجابة من خارج العقل الهوياتي

سؤال الهوية مطروح  منذ القدم في السودان مع بداية ظهور التقسيم الإجتماعي الإقتصادي في المجتمعات السودانية الى سادة ورعايا واتباع ، وظهر هذا التقسيم في كل مؤسسات المجتمع  بداية بالمؤسسة القبلية والدينية ومؤسسات السلطة الإقطاعية وحتى المؤسسات الحديثة القائمة حالياً. كان هذا الحال قائماً في الممالك السودانية القديمة  وفي المقرة وعلوة مروراُ بالفور والفونج وإستغل الإستعمار هذا التركيب الإجتماعي المشوه لأقصى الحد مرتين في التركية وفي الإستعمار البريطاني فأورثنا دولتنا الحالية.هذا التقسيم العرقي الإجتماعي الإقتصادي يعيد إنتاج المجتمع كل مرة في شكل سادة وأتباع مرتبين في فئات ومجموعات بحسب التراتب العرقي الثقافي الاجتماعي الاقتصادي للمجتمع بحيث ان مجموعة يتم دفعها بهوياتهم المميزة ليدعمو السلطة، ومجموعة يتم خداعها بأن هوياتهم رديئة ليخضعوا للاستغلال، وكلهم مستغلين من قبل مراكز السلطة، من قبل السادة. تقوم مراكز السلطة ، يقوم السادة في مثل هذه المجتمعات التي ينبني هيكلها الإقتصادي الإجتماعي على التقسيم العرقي الإجتماعي الإقتصادي بإنتاج أيدولوجيا سائدة تقوم بسجن االمستَغَلين من الهوية المميزة ومن الهوية المبعدة في السؤال الزائف، وهو سؤال الهوية، فينشغلون إما كلاً منهم يمجد هويته ويزري بهوية الآخر، وإما تبحث جماعات منهم بقلوب مخلصة وآمال عريضة عن "هوية توافقية" تأخذ من الهويتين مثل مدرسة "السودانوية"، أو تقوم جماعات أخرى بالبحث والتنقيب عن "هوية أصلية" مفترضة لم يدنسها الإستغلال والقهر والإنقسام الإجتماعي مثل دعاة العودة إلى "كوش". كل هذه الإجابات عن سؤال الهوية مسجونة في صندوق الأيدولوجيا السائدة (طريقة التفكير السائدة) للقاهر المستغل، للسادة المكوك والعمد والشراتي والمقاديم والنظار والأرابيب والشيوخ،  تظهر هذه الأيدولوجيا (طريقة التفكير) في شكل عادات وتقاليد واعراف بديهية يبدأ تلقينها من الأسرة ويمارسها الكل بدون أن يفكر فيها لتعيد إنتاج المجتمع مقسماً عرقياً من جديد.
الرد على أسئلة الأيدولوجيا السائدة بغرض تغييرها لا يتم من داخل صندوقها، والرد على سؤال الهوية لا يتم من داخل الرؤية الهوياتية لتقسيم المجتمع، وإنما يتم من الخارج برؤية ترى الجميع، بجا وفور ونوبا وزغاوة وعرب، ترى جميع السودانيين كمواطنيين يستحقون أن تتعامل معهم كل المؤسسات في الدولة إن كانت مؤسسات تقليدية، مدنية أو حكومية بإعتبارهم متساوين في المواطنة ولهم نفس الحقوق. الإجابة على سؤال الهوية بإجابة من داخل عقل الهوية هو دفاع مهزوم لأنه يتكئ على حجج القاهر المستغل، حجج السادة، وإن تبنيت حجج خصمك فحتى وإن هزمتهم فسيستمر مشروعهم لأنك سبق وأن تبنيته. الإجابة لابد أن تكون من خارج عقل الهوية بطرح سؤال المواطنة والعدالة والمساواة حتى يتحول الدفاع المهزوم لهجوم ناجح. الإجابة هى مجتمع مؤسساته لا تقوم على التراتب الهوياتي، لا تقوم على التراتب العرقي الإجتماعي الإقتصادي.
التراتب العرقي الاجتماعي الاقتصادي ليس موجوداً فقط مناطقيا، بل هو موجود حتى داخل القبيلة الواحدة، بل حتى داخل القبيلة الواحدة من المجموعات والفئات للهويات المستبعدة، حيث ان اسر الارابيب والشراتي والعمد والنظار ذوي الاصل النبيل ومن نفس اعضاء القبيلة يتداولون السلطة مدى الزمان حتى في قبائل ذوي الهويات المقهورة، وذلك لأن البناء القائم على التراتب العرقي الإجتماعي الإقتصادي يسود في النظام من أكبر وحدة وحتى أصغر وحدة فيه ويشمل الهويات السائدة والهويات المسودة.
اما بالنسبة للمثقفين الذين يعتقدون ان الانحياز "لهوية اصيلة ما"هو الاجابة فهولاء وقعوا في فخ القاهر،وعوض ان ينادوا بالمساواة والعدالةالاجتماعية عرقيا واجتماعيا واقتصاديا وبترك الصراع السلمي الديمقراطي للهويات في المجتمع ويبعدوه عن المؤسسات وينادو بحيادها تجاه السودانيين، بعوض ان يبعدوا عن إجابة سؤال الهوية ويجيبوا السؤال الحقيقي سؤال مساواة المواطنين السودانيين، وقعوا في فخ الايدولوجيا السائدة وبذا حتى لو صاروا في السلطة سيعيدون انتاج نفس المجتمع المشوه فقط بمركزية هوية اخرى، هويتهم هم.
الهوية عندي هى ما يعتقده الفرد والجماعة عن نفسها وليس لهذا علاقة بالعلم والحقائق الموضوعية،إذا إدعى فرد أو جماعة أنهم عرب فلن تغير الحقائق الموضوعية أو دراسات علم الوراثة والجينات أو الأحداث التاريخية رأيهم في هويتهم، وليسوا مطالبين بذلك البتة، فقط عليهم أن لا يقوموا  بالإستعلاء على السودانيين الآخرين وبإحتكار المؤسسات والمصالح الإجتماعية الإقتصادية بناءاً على هويتهم المدعاة.، فإن لم يفعلوا فلا يهمني إن قالوا إنهم عرب أو إغريقيين حتى!.
العقل الهوياتي يبحث عن إجابة سؤال الهوية من داخل الهوية، والعقل الجدلي يجيب سؤال الهوية ضمن إجابة السؤال الأشمل: ماهو سبب التفتت الإجتماعي الإقتصادي لدولتنا؟ عندما ندمج كل مؤسساتنا التقليدية والحديثة تحت سلطة الدولة، عندما ندمج كل إقتصاداتنا في إقتصاد واحد، عندما يتم توزيع الناتج الإقتصادي بصورة عادلة للأفراد والمؤسسات بحيث أن لا مؤسسة لها هوية مميزة تأخذ أكثر مما تستحق ولا هوية رديئة يتم إستبعادها في الإجتماعي وفي الإقتصادي، في دولة الحريات والحقوق والمواطنة، عندها بدل التفتت والتمزق سيظهر الوطن والهوية الوطنية وفيها ستمحي تناقضات الهويات الجزئية المتصارعة.

السودان: الأيدولوجيا في نمط إنتاج ما بعد الإستعمار



**إعادة كتابة وإدماج لثلاث مقالات**

 -1-
                      
ماذا تعني  لك كلمات مثل:"ود بلد"،"مسلم"،"طبقة"،"عربي"،"ود غرب غرابي"،"الله"، "الزعيم"، "رطانة"،"لونا سمح"، قبيلة، مثقف، ود اصول، خواجه، ...الخ ؟.
ببساطة هذه الكلمات غير إنها رموز لغوية مكتوبة أو منطوقة فهي أيضاً وحسب فهمك لها تشف عن جانب من طريقة تفكيرك (الأيدولوجيا). إنها ليست فقط رموز لغوية ولكنها أيضاً رموز أيدويولوجية. فما هى الأيدولوجيا ؟
يمكن تعريف الأيدولوجيا (طريقة التفكير) بإنها ترميز الوجود في الذهن وربط هذه الرموز بعلاقات إدراكية ومن ثم إلباس هذه الصورة الذهنية للوجود، في عملية متبادلة ومتصاعدة، ودايناميكية. نفعل هذا ليسهل لنا  إستيعاب الوجود ومن ثم إما تقبله كماهو أو التأثير فيه ليستمر كماهو أو لتغييره.
عندما نقول شجرة فإننا نرمز لمجموعة كبيرة من الموجودات وبكلمة واحدة نجعل لها رمزاً يدل عليها، والرمز لكي يكون شاملاً يدل على كل الشجر لابد من أن يقوم العقل بتجريد كل شجرة من إختلافها وتميزها وتركيبها مع غيرها من الأشجار بما يتشابهن فيه، وهكذا تعمل الأيدولوجيا (طريقة التفكير): تقوم بتقسيم الموجودات لمجموعات بناء على تجريدها من سمات التميز والإختلاف وتركيبها مع غيرها بناءاً على السمات المتشابهه. وتعمل هذه الطريقة بإفتراض قبلي بأن هناك سمات جوهرية تدخل في التركيب وسمات ثانوية تدخل في التميز والإختلاف ويجب إسقاطها لكي نستطيع الترميز. وبذا من الممكن عن ثقة أن نقول أن المسافة بين الشجرة الرمز في الوعي وبين شجرة الواقع، مليئة بالسمات التي تم إسقاطها وإهمالها، وأن شجرة الواقع غنية بالتفاصيل التى لا تستطيع شجرة الرمز في الوعي أن تعطينا أي معرفة عنها. بالرغم من هذا، لولا قدرة البشر على الترميز لما إستطاعوا التصنيف، ولما إستطاعوا التعرف على أولاً مجموعة الشجر، ومن ثم شجر المانجو، وحتى شجرة المانجو هذه. هذه القدرة على التجريد والتركيب ومن ثم الترميز مكنتنا بأن نتعامل لا مع الشجر في وجوده الحقيقي فقط، ولكن مع رموز الشجر في وعينا وربطها مع بعضها البعض ومع باقي الموجودات في (علاقات وعي) قد نشابه إلى حد كبير أو إلى حدما علاقات الشجر مع بعضها البعض ومع باقي الموجودات كما هى في الطبيعة، أو قد لا تشابهها.
الفرق بين الترميز الآيدولوجي والترميز في مثال الشجرة مثلاً، أن الترميز الأيدولوجي يشمل ترميزمستويات متراكبة للوجود المادي، الطبيعة  وعلاقة موجوداتها وعلاقة البشر بها، وعلاقة البشر ببعضهم البعض وعلاقات المجتمعات البشرية ببعضها البعض وعلاقة البشر بالكون،ومن الترميز المتراكب لموجودات الوعي التي لا مقابل مادي لها في الطبيعة، ويشمل كذلك تفسير العلاقات ما بين  الرموز وتفاعلها. إن ما يميز الأيدولوجيا بترميزها للموجودات المادية وموجودات الوعي والعلاقات بينها إنها تحمل في داخلها موقفاً تجاه هذه الصورة الرمزية للكون، إما بإعتمادها وإستخدامها للتأثير في الكون، وإما بالإستسلام لقهرها، وإما بمحاولة تغييرها بنموذج علاقات مختلف ما بين رموزها.
وبذا فإننا عندما نرى الوجود فإننا لا نرى الوجود كماهو، ولكننا نراه مشتبكاً مع صورتنا الذهنية عنه، صورتنا المنسوجة برموزها للموجودات المادية ولموجودات الوعي. بإختصار فإننا نرى الوجود من خلال الأيدولوجيا (طريقة التقكير).
الأيدولوجيات السائدة(طرق التفكير السائدة) تتبناها المجتمعات بعد أن تنتجها وتفرضها مراكز السلطة، ويعاد إنتاجها جيلاً فجيل عن طريق مؤسسة الأسرة والمجتمع ومؤسسات التعليم، والمؤسسات المساعدة كالإعلام والقانون .وكذلك يتم إنتاج أيدولوجيات مسودة مناهضة للأيدولوجيات السائدة من قبل المهمشين في النظام الإقتصادي الإجتماعي. والأيدولوجيات السائدة والمسودة في حالة صراع جدلي يمد النظام الإجتماعي الإقتصادي بالحركة والحياة ما دامت الأيدولوجيات السائدة قادرة على أن تجيب وأن تغبش وأن تحرف أسئلة الأيدولوجيات المسودة. عندما يعجز النظام الإقتصادي الإجتماعي عن تلبية الحوجات المادية والروحية لأعضائه ،وتفشل الأيدولوجيا السائدة عن تبرير هذا العجز، عندها تتقدم الأيدولوجيات المسودة بإجاباتها ، وإن نجحت في تقديم إجابات أشمل وأوسع من إجابات الأيدولوجيا السائدة فعندها تتقدم رغم عنف مراكز السلطة القائمة، لتبني مؤسساتها الجديدة أو تغير المرسسات القائمة ولتزيح مراكز السلطة القائمة لمصلحة مراكز السلطة الجديدة، وعندها تصبح الأيدولوجيا المسودة أيدولوجيا سائدة.
هناك أيدولوجيات فردية، وهناك أيدولوجيات إجتماعية هى محصلة جدل وتجريد وتركيب الأيدولوجيات الفردية. ولكل فرد أيدولوجيا حتى وإن لم يعي ذلك، فبدون الأيدولوجيا لن تعي عالمك ومحيطك، لن تستطيع أن تتعامل مع عالمك ومحيطك، لن تكون إنساناً.
قد تكون أيدولوجيا فرد أو مجتمع ما موروثة مما تراكم في الوعي الإنساني من واقع الخبرات التاريخية المحلية والعالمية، أو قد تكون أيدولوجيا تم إنتاجها بدراسة واعية لعلاقات الوجود أو لعلاقات الوعي أو لكليهما.
تختلف الرموز ما بين أيدولوجيات نابعة من رؤى ترى أن الموجودات كماهى في الطبيعة وفي المجتمع وعلاقاتها هى الجذر الذي أوجد الوعي وموجودات الوعي، وما بين أيدولوجيات نابعة من رؤى ترى أن الوعي الخالص هو الذي أوجد كل الموجودات بما فيها الموجودات المادية، وفي المسافة بينهما أيدولوجيات وأيدولوجيات.وبصراحة وأنا بصدد توظيف الكتابة للتغيير في السودان،  فهذه الفروقات لا تهمني  إلا بشكل معرفي شخصي. ما يهمني في الحقيقة هو كل الأيدولوجيات، بغض النظر عن ترميزها للوجود، التي تستطيع أن تتمثل في رموزها السودان كوطن يتساوى مواطنيه في الإنسانية وفي الحقوق والواجبات وفي الحق في الكرامة والعدالة  والحرية غض النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم ونوعهم.
إن أيدولوجيا ماركسية ترى المجتمعت السودانية كمجتمعات ذات إقتصاد رأسمالي وطبقات برجوازية وعمالية متصارعة لتثبيت أو تغيير علاقات توزيع السلطة والثروة ، إن أيدولوجيا كهذه لا ترى السودان كما هوفي تنوعه وتعقده في الحقيقة وإنما كماهو في الصورة الذهنية الكامنة في الأيدولوجيا. عندما تصطدم هذه الصورة الذهنية مع واقع أن المجتمعات السودانية في حقيقتها مجتمعات ذات إقتصاد مشوه  تتراكب فيه العلاقات الرأسمالية مع العلاقات التقليدية ما قبل الرأسمالية والمؤسسات الحديثة مع مؤسسات إقطاعية مثل القبيلة والطائفة، وتلعب فيه البرجوازية العليا دور النبلاء والعمد والمشايخ المنتمين للأسر الشريفة، ليس لدي هذه الأيدولوجيا ما تقدمه لمهمشي المؤسسات الإقطاعية وليس بقدرة العمال كطبقة لم تتبلور بعد أن تتحمل وتنهض بمهام التغيير، عندها ليس أمام الأيدولوجيا من طريق لبدء التغيير من القاع بالجدل مع الأيدولوجيا السائدة وإظهار عجزها وإقناع الجماهير بالأيدولوجيا البديلةـ ولذا تلجأ للبديل الأسهل وهو إستلام السلطة بالعنف، وقسر المجتمعات على إلغاء مؤسساتها القائمة كالقبيلة والطائفة بالعنف لتتطابق مع النموذج الماركسي، وتقديم حل سحري شامل إسمه "التنمية" لتغيير المجتمعات، لتغيير العلاقات الإقتصادية الإجتماعية لعلاقات رأسمالية ومن ثم وبالقسر سيكون هناك إقتصاد رأسمالي وطبقتي برجوازية وعمال متصارعتين ومن ثم تتحقق الإشتراكية.
الأيدولوجيا الإسلامية بالمقابل ، والتي ترى الصراع كصراع بين الإسلام والكفر، بين الخير والشر، والمجتمعات السودانية كمجتمعات مسلمة أو يجب أن تسلم، وحل مشاكلها يكمن في الرجوع لقيم ونظم وشرائع الإسلام، إنها تحاول أن تقسر السودان المعقد في تنوعه على أن يتطابق مع صورة ذهنية أيدولوجية ، وعندما تصطدم بالآخر السوداني غير المسلم بل وبالآخر السوداني المسلم ذو الرؤية الدينية المختلفة، عندما تصطدم هذه الصورة مع واقع أن المقولات والمفاهيم الإسلامية التي أنتجت في الماضي ولشعوب مختلفة لا ترى السودان كماهو ولكن كما هو في الصورة الذهنية الكامنة في الأيدولوجيا. ليس لدي هذه الأيدولوجيا من طريقة لبدء التغيير من القاع بالجدل مع الأيدولوجيا السائدة وإظهار عجزها وإقناع الجماهير بالأيدولوجيا البديلةـ ولذا تلجأ للبديل الأسهل وهو إستلام السلطة بالعنف، وقسر المجتمعات على إلغاء مؤسساتها القائمة بالعنف لتتطابق مع النموذج الإسلامي، وتقديم حل سحري شامل إسمه "الأسلمة" لتغيير المجتمعات، لتغيير العلاقات الإقتصادية الإجتماعية لعلاقات دينية ومن ثم وبالقسر سيكون هناك صراع بين الإسلام وبين الكفر، ومن ثم ينتصر الإسلام وتقوم دولة الخلافة الإسلامية.
وهناك من ينادون بأن الحل السحري هو الديمقراطية، ويعنون الإنتخابات والبرلمان والحكومة الدورية المنتخبة والقضاء المستقل. إنها أيدولوجيا تتجاهل أن الديمقراطية تفترض مواطنين متساوين في الحريات والحقوق، تتجاهل التحيزات الموجودة في الواقع، تتجاهل أن أهل الطائفة والقبيلة لا يرون الدولة بل يرون النبلاء الذين يقودونهم على قمة القبيلة والطائفة، ولذا لا يتحركون بخياراتهم الذاتية وإنما بإشارة هؤلاء النبلاء، وبذا تستدام السيطرة البرجوطائفوقبلية، وتحول الديمقراطية الشكلية الدولة الحديثة لأداة في يد الإقطاع.
إفتراضي هنا إن الأيدولوجيات لو إشتبكت مع الواقع الحقيقي لتقاربت فيها معاني الرموز وإن إختلفت عائلة الرموز المستخدمة، فنجد أن المستَغَلْ مقابل المٌستَغِل عند الماركسيين سوف يكاد يتطابق مع الخَير مقابل الشر عند الإسلاميين، ومع نصير الحقوق والحريات مقابل المستبد عند اللبراليين ... الخ ..الخ. إفتراضي الثاني أنه ولكي يحدث التغيير لابد أن يحدث تجاوز جدلي في كل الأيدولوجيات المسودة، بحيث تنتقل من محاولة فرض صور ذهنية معدة مسبقاً لالباسها للواقع إلى نقاش الواقع وتمثل مشكلاته كماهي لحلها.
لا يهمني أيدولوجيتك (طريقة تفكيرك)، ما يهمني هو ماذا تريك أيدولوجيتك، هذا القناع المنسوج من الرموز. هل ترى مشاكل السودان كماهى في الواقع: سيطرة الأبوية وإنعدام الحريات، التراتب العرقي العنصري، سيطرة الذكورية وقهر المرأة والأطفال، نهب الشرائح الطفيلية البرجوطائفوقبلية للمجتمعات عن طريق أدوات الدولة وتجويع المواطن السوداني، تراكب المؤسسات الحديثة والمؤسسات القديمة في بنية مشوهة. هل ترى حوجتنا لدولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والحريات غض النظر عن عرقهم، غض النظر عن دينهم غض النظر عن نوعهم؟. أم هل إنك مسجون في الأيدولوجيا، في صورة ذهنية بها صراعات نبيلة، وغايات عليا سامية، ولكنها للأسف لا تمت لواقع المجتمعات السودانية، لواقع الإنسان السوداني بصلة، إنها صراعات وغايات موجودة في ذهنك فقط، وحتماً ستفشل وإن أقنعت الجميع بها، حتماً ستفشل في إلباسها للواقع السوداني الحي والمعقد.

 -2-
البي يحدد موقعك الطبقي هو موقعك في علاقات الإنتاج، وموقعك في علاقات الإنتاج بي يتحدد بي حصتك من فائض الإنتاج،وتقسيم الحصص دي بي يتم على مستوى المجتمع كلو.
وشكل علاقات الإنتاج هو البي يحدد شكل العلاقات في المجتمع، وين مراكز السلطة، ووين باقي الطبقات والعلاقات بيناتم شكلها شنو.
الإنتاج عشان يتحقق بي يحتاج لي وسائل الإنتاج من مواد خام، أدوات إنتاخ، وعمال وموظفين وهلمجرا.
لكن قبل كل دا الإنتاج بي يحتاج لي طريقة تفكير (أيدولوجيا، وعي) يحدد لي كل زول دورو ويخليهو مقتنع بيهو في العملية الإنتاجية.
العامل عشان يعمل، والزرارع عشان يزرع ، والراعي عشان يرعى، والموظف عشان يشتغل،والمهندس عشان يهندس، والمدير عشان يدير، وصاحب المال عشان يربح، محتاجين لي طريقة تفكير تحدد ليهم أدوارهم ،تبرر ليهم ادوارهم بل وتخليهم فخورين ومدافعين عن الأدوار دي.
إذا كانت وسائل الإنتاج ضرورية لإنتاج الإنتاج، فطريقة التفكير(الأيدولوجيا، الوعي) ضرورية جداً لإعادة إنتاج الإنتاج.
طريقة التفكيرالسائدة بي يتم إنتاجها من مراكز السلطة في المجتمعات، ووظيفتها زي ما قلتا إعادة إنتاج الإنتاج، يعني إعادة إنتاج المجتمع بشكل علاقاته القائمة الآن أو باحسن منها ولمصلحة مراكز السلطة في المجتمع.
طريقة التفكير بي يتم زراعتها إبتداءاً من الأسرة، والتعليم، والمجتمع ،ووسائل الإعلام، والكتب والصحف، وأحاديث رموز المجتمع.
إذا تدمرت وسائل الإنتاج، المصانع، البنية التحتية ..الوسائل المادية لمجتمع ما عموماً فإنه قادر تماماً، ولن يفعل غير أن يعيد إنتاج نفسه وعلاقاته إنطلاقاً من طريقة التفكير فيه، بمعنى أن مجتمعاً ديمقراطياً إذا تدمر بفعل الحرب فإن الناجين منه لن يعيدون بناء مجتمعهم إلا على النسق الديمقراطي، إنطلاقاً من طريقة تفكيرهم.
في السودان،الإستعمار قام بتركيب منتجات الحداثة (منتجات مثلها مثل العربات، الثلاجات ..الخ) التي أنتجت في نظام ديمقراطي علماني ومجتمع ليبرالي (منزوعة من سياقها الديمقراطي العلماني الليبرالي) ركبها على قمة النظام الإقطاعي الكان موجود قبل الإستعمار (ليه ؟ لانو المستعمِر إبن الحداثة لا يستطيع أن يحكم ويسيطر إلا عبر أدوات الحداثة)، وذلك بعد إخضاع مراكز السلطة في ذلك النظام الإقطاعي، والذي غالباً ما  تنتظم فيه القبائل والعشائر كوحدات إدارية و كوحدات بناء إقتصادية/إجتماعية للنظام.
نظام ما قبل الإستعمار يعتمد التفوق العرقي والقداسة الدينية والتفوق الثقافي كطريقة تفكير سائدة ينقسم بها المجتمع لسادة يعتنون بباقي المجتمع (الأتباع) في الظاهر، ويستهلكونهم في تراكم ثرواتهم في الحقيقة. يستخدم الإستعمار طريقة التفكير السائدة عند المستَعمَرين لتقسيمهم لمجموعة يخصها بالرعاية والدعم، ومجموعات يتم قهرها عن طريق السادة. طريقة التفكير السائدة قبل الإستعمار (والمعدلة من قبل الإستعمار) يعاد إنتاجها من قبل أسر الطائفية وشيوخ وأرابيب القبائل في السودان في بداية الإستعمار، ومن بعد بالتحالف مع الشريحة العليا من الطبقات الغنية.إستخدام أدوات الحداثة (والدولة بمؤسساتها هى الأهم فيها) من قبل المستعمِر أدى لتوليد طبقة برجوازية (حضرية، وسطى ..) ضعيفة ومنتقصة المخيلة ومعتمدة على المستعمِر أبان الإستعمار، وعلى الدولة بعد ذهاب المستعمر. لم تنتج هذه الطبقة عن طريق التطور الطبيعي الناتج من الصراع بين القوى الحية في المجتمع السوداني ومراكز السلطة فيه، وإنما ولدت كمنتج ثانوي نتيجة لحوجة المستعمِر لمن يدير له مؤسسات دولته لتهب السودان، ولذا كانت وما زالت هذه الطبقة (الضعيفة القوة والقليلة العدد) خاضعة لمن يحكم، قديماً كان الإستعمار، وبعد الإستقلال لأسر زعامات الطائفية وشيوخ القبائل والأرابيب والشريحة العليا من الطبقة الغنية. 

في نمط إنتاج ما بعد الإستعمار في السودان في بلد متعدد الإثنيات الطبقة المسيطرة لتحافظ على الثروة والسلطة طريقة التفكيرالتي تنتجها بي تقول أن هناك أسراً نبيلة ويصدف للسخرية إنها من نفس عرق الطبقة المسيطرة، ويصادف لحظهم أيضاً أن هذه الأسر هى الممسكة بمراكز السلطة، ومن ثم يقوم تراتب محدد، تستفيد فيه هذه الأسر مثلاً من 90% من ثروات البلاد، ال 10% الباقية يستفيد بها عرقهم في شكل خدمات، ومع ذلك عدا هذه الأسر النبيلة فعرقهم ذاته هم مهمشين ومقهورين مثل باقي الأعراق، ولكن باقي الأعراق قهرهم وتهميشهم أدهى وأمر. الأعراق التي يتطابق عرقها مع الطبقة الحاكمة تستفيد من هذا الرأسمال الرمزي مادياً ومعنوياً، أولا للفتات الذي ينالونه من الطبقة الحاكمة وثانياً لأن طريقة التفكير السائدة تفتح الطريق أمامهم وتمدهم بالأمل بأن لا شئ يقف امام زحفهم للوصول لمركز الطبقات الغنية، ولذا تجدهم يدافعون عن قيم طريقة التفكير السائدة. الممسكين بمراكز السلطة عند المهمشين أيضاً يتحالفون مع الطبقة المسيطرة ويعيدون نشر طريقة التفكير السائدة ولكن بجعل أسرهم هى مركز الهامش، ولكن دورهم في المركز البرجوطائفي لا يتعدى دور االتابع ومنفذ أوامر السادة (إلا إذا إنفصلوا بالطبع وبنفس طريقة التفكير السائدة وعندها يتكرر نفس النموذج عندهم كما في الجنوب)

طريقة التفكير السائدة والتي تعمل لصالح مراكز السلطة (تموه وتزيف) الصراع بين قيم (الزواج الحرام بين الإقطاعيين والبرجوازية العليا) وبين قيم الحداثة التي تحمل رايتها الطبقة البرجوازية، وتصور كل إنتصار على قيم الديمقراطية والعلمانية واللبرالية كأنه رد على هزيمتنا المؤلمة الجارحة والبليغة في معركة كرري من قبل المستعمِر الغربي. وفي الجهة المعاكسة، عجزت الطبقة البرجوازية (ناتج المستعمر) عن تفكيك الثقافة السودانية وفرز متناقضاتها وقيادة صراع يرتكز على مؤسساتنا الإجتماعية الموروثة وتغيير دورها لمصلحة الحداثة، وإكتفت بوصم كل ما ينتمي للإقطاع، للتيار المتواصل منذ القدم القديم حتى تم قطعه في كرري، إكتفت بوصمه بالتخلف والجهل،وبذا عجزت عن مخاطبة جل السودانيين والسودانيات، وكفت نفسها شر القتال.
المزيج المصنوع من قبل المستعمِر، والمزاوجة المستحيلة بين طبقة أنتجت من قبل النظام الإقطاعي السوداني والشريحة العليا من طبقة أنتجت في ظل أدوات الحداثة (الغربية) وتصميمها كمراكز سلطة تتحكم في مجتمعات الحضر (البرجوازية في الغالب) ومجتمعات الهامش (إقطاع في الغالب). هذه التركيبة المصنوعة صبغت كل الطبقات، القديمة والمستحدثة بهذه الهجنة ما بين القديم والحديث، وجعلت كل المجتمع يتأرجح ويهتز ويراوح مكانه وأعاقته عن التطور. وصبغت حتى النخب (المسماة بالمستنيرة)، فتجدهم يزاوجون في قلوبهم ما بين الذكورية وتحرر المرأة، وبين اللبرالية والتربية بالسمع والطاعة، وبين الديمقراطية وقمع منتسبي حزبهم وتشويه صورة من يعارضهم وما بين الإنسانية والعنصرية، في مزيج يدعو للدهشة والإستغراب، ولا يجدون في أنفسهم أدنى حرج، بل وينامون قريري العيون هانئين.
طريقة التفكير السائدة والموروثة من الإستعمار هي التي تهدم الدولة، هى التي خربت السكة حديد، مشروع الجزيرة، الخدمة المدنية وهى التي أضعفت الجيش والشرطة، فلم تكلف البرجوازية العليا المتحدة مع زعماء الطائفية وشيوخ القبائل، (وهي التي أنتجت في ظل غياب قيم التنوير) لِمَ تكلف نفسها بصيانة مؤسسات الدولة الحديثة وبإمكانها أن تربح وتنهب وتراكم ثرواتها في ظل دولة الزعماء والشيوخ والأرابيب بما لا يقاس. طريقة التفكير السائدة لا تحتاج للدولة الحديثة ومؤسساتها لتحكم، بل هي ترى في مؤسسات الدولة الحديثة إما (العدو الذي زرعه الإستعمار الغربي)،أو الأداة الحديثة التي ستستخدمها بديلاً لسلطة القبيلة والطائفة للنهب والقهر وتوزيع المغانم ، وبما أن الوارثين من الإقطاعيين والبرجوازية العليا ،ورثة الإستعمار، إستمروا في إدارة الدولة الحديثة بنفس نهج الإستعمار، أي كأداة للنهب والقمع والسيطرة، إستقر في العقل الجمعي كراهية الدولة الحديثة وفي نفس الوقت التمثل بقيم وطريقة إدارة مؤسسات الإقطاع سواء في دولنا القديمة من فور وفونج ومهدية وفي قبائلنا، وإعادة إنتاج هذه المؤسسات على الأرض مع نفس الهجنة الإستعمارية التى تم ذكرها في الأعلى، فتتجد أنه حتى المؤسسات الحديثة من أحزاب وشركات ومنظمات عمل عام وحتى الحكومة، تدار بطريقة إقطاعية، بمعنى إعادة إنتاج مؤسسات الحداثة شكلياً وإستبدال محتواها الحداثي الديمقراطي اللبرالي بمحتوى إقطاعي أبوي ذكوري عنصري يتغطى بالقداسة الدينية.
في وجود نمط إنتاج دولة ما بعد الإستعمار في السودان كما وصفته أعلاه، وبوجود الحداثة الإستعمارية معطاة كأدوات ومنتجات لا كرؤى للتنوير وتغيير للأيدولوجيا (طريقة التفكير السائدة في المجتمع). في ظل هذا النمط من الإنتاج التغيير يبدأ من طريقة التفكير، والتغيير هو تغيير طريقة التفكير.
صحيح أن هناك علاقة جدلية بين درجة التطور المادي لمجتمعٍ ما وطريقة التفكير فيه. وصحيح أن التغيير في طريقة التفكير والواقع المادي يتبادلان التأثير. ولكني أشدد هنا على ما يهمله المنظرون:
التغيير الواجب في ظل نمط إنتاج دولة ما بعد الإستعمارهو تغيير طريقة التفكيرالسائدة لإعادة إنتاج مجتمعنا على نسق ديمقراطي يراعي الحقوق والحريات والمساواة والعدالة الاقتصادية الاجتماعية.

الخميس، 21 يوليو، 2016

الشيوعي صاقعني لبرالي وقايل نفسو بشتم فيا !


أن تكون ليبرالياَ مع الحريات والحقوق ( في السودان) يعني أن تكون ماركسياً. 
كيف الكلام دا؟
إذا في حزب ماركسي في مجتمع لبرالي (يدافع عن الحريات والحقوق) والإقتصاد السائد إقتصاد رأسمالي وبي ينقسم لي طبقتين رئيسيتين: البرجوازية والعمال. الحزب دا طوالي حا ينادي بالإشتراكية وبقيادة الطبقة العاملة.
ولكن إذا في حزب ماركسي في مجتمع يسود فيه أدوات حداثة ملتقة مع الإقطاع والنظرة الأبوية الذكورية، وإقتصادو فيه تكوينات إقطاعية مع تكوينات رأسمالية شكلية والإقتصاد السائد مجوبك ، والمجتمع منقسم لي طبقات: طبقة اسياد قديمة برجوطائفيين وبرجوقبليين، ورعايا قبائل ورعايا طائفيين، وعمال لم ينفكوا من قبائلهم وطوائفهم وهم طبقة ضعيفة في الواقع. حزب ماركسي في واقع زي دا طوالي حا ينادي بالديمقراطية واللبرالية الإجتماعية والحريات والحقوق ودولة المواطنة والعلمانية.

الحزب الشيوعي السوداني ولحصافة الرواد بالضبط دا برنامجو.

هسي الكلام التحت دا مشكلتو شنو مع "برنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية" غير برنامج الإقتصاد الحر ؟؟ وحتى دا الليبراليين الإجتماعيين إتجاوزوه وبي ينادوا بي تدخل الدولة في الإقتصاد.

(الليبرالية هي فلسفة سياسية أو رؤية للعالم تأسست على أفكار الحرية والمساواة. في حين أن الليبرالية الكلاسيكية تؤكد على دور الحريات والحقوق الفردية فإن الليبرالية الاجتماعية تؤكد على أهمية العدالة الإجتماعية. الليبراليون يتبنون خيارات واسعة من وجهات النظر اعتمادا على فهمهم لهذه المبادئ، ولكن عموما فإنهم يدعمون افكار وبرامج مثل حرية التعبير ، حرية الصحافة، حرية العقيدة، الإقتصاد الحر، الحقوق المدنية، المجتمعات الديمقراطية ، الحكومات العلمانية ، المساواة بين الجنسين ، والتعاون الدولي).

Liberalism is a political philosophy or worldview founded on ideas of liberty and equality.[1][2][3] Whereas classical liberalism emphasises the role of liberty, social liberalism stresses the importance of equality.[4] Liberals espouse a wide array of views depending on their understanding of these principles, but generally they support ideas and programmes such as freedom of speech, freedom of the press, freedom of religion, free markets, civil rights, democratic societies, secular governments, gender equality and international cooperation 
ما هى اللبـــــــــــــــرالية؟ 

الأحد، 15 مايو، 2016

ماذا يلزمك لتقود عربة؟

إذا عندك عربية فيلزم لها سائق يحسن قيادتها . يلزم عربتك ميكانيكي وكهربائي وحداد وغيرهم يحسنون صيانتها حسب المعايير.يلزم أن يكون السائق والسائقون الآخرون ملمون بأولويات قانون المرور حتى لا يتصادمون في الشوارع نتيجة التدافع، وقانون المرور يلزم له سلطة تنتجه وتعدله وتطبقه، وسلطة تبني الشوارع وتصينها، وإشارات مرور مركبة بطريقة صحيحة. يلزم أن تكون هناك محطات لتزويد العربات بالوقود، ومؤسسات لإستيراده أو لإنتاجه. يلزم عربتك أن تكون هناك شركات لإستيراد العربات، وتسويقها، ولإستيراد الإسبيرات، وأسواق للسيارات المستخدمة. يلزم عربتك أن تكون هناك شركات تأمين تنوب عنك في دفع الضرر إن حصل لعربتك أو للآخرين.يلزم وجود مدارس وجامعات تعلم الكهرباء والميكانيكا والإقتصاد والقانون، من الممكن الإستطراد هنا حتى نقول أن وجود عربتك وإستمرارها تعمل بصورة جيدة يستلزم وجود دولة كاملة قائمة لخدمة هذا الغرض.
بالطبع يمكنك في دولة لا توجد بها أي من هذه المؤسسات أن تستورد عربة بإمكانياتك الخاصة، وعندها لابد لك أن تقود في الشوارع الغير ممهدة أو أن تمهدها بنفسك، ستحدث حوادث مرور مريعة نتيجة لعدم وجود قانون ينظم الحركة، ستضطر لتوفير الوقود بنفسك..الخ. إذا الدولة غير مهيأة لأداة حديثة مثل عربتك فسيكون مصيرها أن تتدنى فعاليتها وتبلى وتتفكك،
وأهم نقطة أن لا مؤسسات تملك المعرفة والخبرة لكي تعيد طريقتك في إنتاج العربة وتشغيلها وقيادتها وصيانتها، لأنك وحدك تملك هذه المعرفة والخبرة ، وإذا ذهبت العربة وذهبت أنت، ذهبت المعرفة والخبرة وتعذر إعادة إنتاجها مرة أخرى. 
 بالضبط هذا ما أحاول أن أشرحه بصدد دولتنا السودانية، دولة ما بعد الإستعمار، والتي قام الإستعمار بتركيب آلة الدولة الحديثة ومؤسساتها بدون أن تتغير طريقة التفكير الإقطاعية لطريقة تفكير حديثة، فأصبحنا نملك مؤسسات حديثة: الجيش، الشرطة، التعليم، الصحة، الخدمة المدنية، ..الخ في دولة إقطاعية يسيطر على مراكزها البرجوطائفوقبليين.
طريقة التفكير الحديثة تستطيع تطوير وصيانة وإعادة إنتاج مؤسسات دولة الحداثة وإعادة إنتاج نفسها ، وكذلك طريقة التفكير الإقطاعية تطور وتصين وتعيد إنتاج مؤسسات دولة الإقطاع وإعادة إنتاج نفسها.
في دولتنا السودان تلتيق مؤسسات الدولة الحديثة مع المؤسسات التقليدية تحت سيطرة طريقة التفكير الإقطاعية لم ينتج عنه إلا ضعف كفاءة وتدهور وتفكك المؤسسات الحديثة كما في مثال العربة أعلاه، لأن طريقة التفكير السائدة ليست لها القدرة والمعرفة لتطوير وصيانة وإعادة إنتاج المؤسسات الحديثة. بل الأدهى والأمر أن طريقة التفكير الإقطاعية وفي هجوماتها الأخيرة أضحت تفكك مؤسسات الدولة الحديثة نفسها، السكة حديد ومشروع الجزيرة،الجيش والشرطة والاحزاب والنقابات.وتبني لنفسها الأدوات التي تعرفها وتجيد إعادة إنتاجها وصيانتها وتطويرها، القبائل والطرق والجماعات الدينية والمليشيات القبلية والدعم السريع.

ماذا يلزمك لتقود عربة؟ يلزمك طريقة تفكير حديثة متطابقة مع الآداة الحديثة، يلزمك مؤسسات حديثة، يلزمك دولة حديثة.

الجمعة، 13 مايو، 2016

الى عدوي

السخرية خلف إبتسامتك المتعالية
الإنتصار في رنة ضحكتك
هما طاقتي، التي ستخيفك بحفيف الهواء حولك مرنماً حضوري


أنا طوب جدار خوفك
قفزة وعيك من إغفاءة إنتظاري الذي لا ينتهي
نسيج حلمك في الإغفاءة
قفزات الثواني المتثاقلة انا


سأتسلل قطرةً قطرة
وستفاجئك شيمتي في الغرق


لحظة تتشبث بالهواء يدك

لتمسك بيأسك العريض
أصبعك السبابة، الذي لطالما أشار نحوي بإحتقار
سالمسه تميمة إنتصار

الأربعاء، 11 مايو، 2016

إدوارد سعيد وأنا وما بعد الإستعمار

في رؤية إدوارد سعيد وفي رؤى مدرسة ما بعد الإستعمار يتم تحليل خطابات سائدة وخطابات مسودة في مجالات مختلفة ثقافية وسياسية ،إبداعية وتقريرية، وفلسفية. كل هذه الخطابات تنطلق من وعي الحداثة الأوروبي برموزه ورؤيته التي تم إنتاجها في عصر صعود الإنسان والعلم والثورة الصناعية. 
إنسان الحداثة الأوروبي وقد قتل الآلهة وإمتلك السماء، طفق يرمز العالم من حوله ويعيد إستيعابه لا كما هو العالم في حقيقته، ولكن العالم كما أخترعه ابن الحداثة بإعتباره هو مركز العالم وإلهه الجديد، والذي سيقود العالم لإكتماله . وهكذا ومن خلال هذا القناع الرمزي كان إبن الحداثة الغربي يرى باقي المجتمعات الإنسانية لا كما هى في الواقع ، ولكن كمجتمعات متخيلة لا تستطيع أن تعبر عن نفسها ولا أن تخرج من أطوار التخلف إلا بأن يعبر عنها الأوروبي وينتشلها من وهدتها ويقودها للنور. بالطبع هذه الرؤية الجذر المادي لها يقع في مؤسسات الإستعمار والحوجة الإقتصادية للأسواق ونهب الريع للبلدان المستعمرة وإستخدامهم لبناء البلدان الأوروبية. 
هذه الرؤى وإن كانت فصيحة وصارخة في الخطابات السياسية التي تدعم الإستعمار، إلا أنها وبمركزيتها في وعي الحداثة الأوروبي، تعبر عن نفسها بفصاحة حتى في خطابات الإنسانيين والكونيين، الذين يعبرون عن الضمير الإنساني الأوروبي. فمثلاً مقولة زي "يا عمال العالم إتحدوا" في مساواتها بين عمال المستعمر وعمال الدول المستعمرة، تهمل إهمالاً شنيعاً أن للعامل الأوروبي مصلحة ونصيب في الإستعمار، فهو غير أنه يتمتع بنهب ريع البلاد، مشارك في حصص فائض القيمة من عمال البلدان المستعمرة، فكيف تطالب من المقهور أن يتحد مع قاهره، إلا إن كنت (ومن حيث لا تفكر) تمالئ المستعمر.
في رؤيتي وأنا بنطلق من المنهج المادي الجدلي التاريخي لأقول أن الإستعمار وبتدخله في الإقتصادي الإجتماعي للشعوب يقوم بتغيير الجدل الإقتصادي الإجتماعي التاريخي الحر للمجتمعات والذي يقود حركتها ، ويقوم بقهر وصناعة نمط إنتاج أسميته "نمط إنتاج ما بعد الإستعمار" وبالطبع يمثل نمط الإنتاج الهجين المصنوع الجذر والسلمة الأولى لتكوين الوعي وطريقة التفكير السائدة في البلدان التي تم إستعمارها. في هذا النمط المصنوع والذي يتم فيه التهجين بين الآلة الحداثية التي أدخلها المستعمر والبنيات التقليدية في البلدان المستعمرة، لا يستطيع النمط التقليدي كما أعاد إنتاجه الإستعمار هزيمة الحداثة، ولا تستطيع الحداثة وقد أدخلت كأداة تتحرك بالقيم القديمة تجاوز البنى التقليدية، فتظل البلد تراوح مكانها، إلى أن يحدث إختراق من قبل الرؤية البرجوازية كما آمل وأوضح في كتاباتي المختلفة.
بينما يركز إدوارد سعيد ومدرسة ما بعد الكولونيالية على دراسة خطابات الأوربيين عنا، أو نحن ومجتمعاتنا كما نبدو في رؤى الأوروبيين. أركز أنا على دراسة واقعنا كماهو موجود، كما نراه ونعيشه. يعني أرانا بعيوننا، لا في رؤاهم.

الخميس، 28 أبريل، 2016

صراع الهويات


الهوية هى تعبير متعدد الأبعاد عن الفرد والجماعة في مواجهة الآخرين أفراداً وجماعات.

الهوية مركبة وويمكن أن يتم تفكيكها لوحدات لا نهائية، فمثلاً هناك سوداني(هوية وطنية)، دنقلاوي(هوية عرقية)، خريج جامعة الخرطوم(هوية مؤسسة تعليمية)، من السليم (هوية جغرافية)، ذي ثقافة عربية إسلامية(هوية ثقافية) ...الخ ..الخ. الهويات الجزئية داخل الهوية المركبة قد تتناقض، و يظهر هذا التناقض بوضوح عند الصراع بين جماعتين كل منهما تتبنى إحدي الهويات الجزئية كأداة للصراع.
الهوية المعينة تظهر دون سواها من الهويات في الهوية المركبة كإستجابة لتحدي خارجي سواء إن كان يمثل تهديداً أو نفعاً.
الهوية تعبير عن إنتماء لجماعة ما ، بدأت مع بزوغ فجر الإنسانية والمؤسسات الإجتماعية الأولية وتميز بين نحن وهم.
الهوية غير إنها ترسم ملامح الجماعة وتحدد الحدود بينها وبين الآخرين، فمحتواها المادي هو مصالح الجماعة المعينة في الصراع الإقتصادي الإجتماعي، ولكل جماعة نخبة تعمل على صيانة وإعادة إنتاج اسطورة الجماعة بواسطة مؤسساتها، وبذا يتعاظم نصيب الجماعة وبالتالي النخبة من الميزات والناتج الإقتصادي للمجتمع.
الهوية هى تعبير (ذاتي) عن الجماعة، يمدحهم بكل الصفات الحميدة التي يظنون إنها تشبههم، والهوية تكون مدعومة بأسطورة الجماعة التي تحكي القصص التاريخية والتجارب التي تؤكد هويتهم وإتساقها والتي بموجبها نالوا مكانتهم عبر التاريخ.
الهوية الكبرى التي تحتوى كل الهويات الجزئية تسود في حالة التهديد الخارجي للجماعات التي تضمها هذه الهوية، ولكن في حالة الصراع الداخلي تنحاز كل جماعة للهوية الجزئية وترفعها علماً في المعركة.
الهوية تبنيها وتصينها وتخلق أسطورتها وتدافع عنها المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية، لأن الهوية تساهم في إنتاج وإعادة إنتاج نصيب المؤسسة من الناتج الإقتصادي في المجتمع بل وتسهم في إقناع أفرادها والمجتمع بضرورة وجود وإستمرار المؤسسة.
الكلام دا كلو كتبتو عشان داير أصل لي كلام محدد:
(صراع الهويات لا ينتهي وأبدي ودائم، ولذا من يتبناه كرؤية للصراع يتبنى رؤية لن توصله لأي حل. قل أن الهويات المسودة إنتصرت في الصراع، غداً ، بل الآن وفي خضم الصراع ستنقسم هذه الهويات لهوياتها الجزئية وفيها هويات سائدة وهويات مسودة، وهكذا الى ما لانهاية، ولن تنتهي الحرب أبداً).

صحيح إن من يستخدمون الهوية في قهر ونهب وتقسيم الشعوب خطر على مصلحة العيش المشترك بين مجتمعات الشعب السوداني، خطر على بقاء الدولة السودانية. ولكن بالمقابل من يستخدمون الهوية لمحاربة هؤلاء يقعون في فخ القاهر والناهب، لأن هويتي مقابل هويتك ليست الحل، بل الحل أن نرفع هويتك وهويتي الجزئية لهوية أعلى تستوعبنا جميعاً، وأن نحارب القاهر الناهب معاً، ونصلح الدولة والمؤسسات التي تتيح الإستعلاء العرقي والديني والإقتصادي، التي تتيح الإستعلاء الهوياتي. 
حل مشكلة الهويات هو في الأساس حل لمشكلة الدولة والمؤسسات الموجودة في نظامنا الإقتصادي الإجتماعي. بدولة المواطنة يتم رفع صراع الهويات الجزئية للإندماج في الهوية الكلية، وبتفكيك وتركيب المؤسسات الإقتصادي الإجتماعية وإتاحة الفرصة لأي سوداني أراد الإنضمام لها أن يفعل، وتحويلها من مؤسسات مغلقة لمؤسسات مفتوحة لجميع السودانيين، وبالعلمانية تبعد الدولة نفسها من الإنحياز لرؤية دينية او ثقافية وتعامل مواطنيها بالتساوى وتترك الصراع ليدور سلمياً في المجتمع، وبالإقتصاد ذي التوجه الإجتماعي الذي يحقق العدالة، ويرفع عن المواطن مشكلة الفقر والجهل والمرض والجوع والعطش والسكن، ويحقق له القدر الإنساني من الرفاه .
ومن بعد، هل سينتهي صراع الهويات، وهل سنتوحد في هوية جامعة؟ لا بالطبع، فكما ذكرت أعلاه ، الهوية مركبة ولا نهائية وتعبر عن مصالح الجماعات والمؤسسات الإقتصادية الإجتماعية في المجتمع وتظهر الهويات الجزئية في خضم الصراع الإجتماعي الإقتصادي، لذا لن ينتهي صراع الهويات، ولكنه سيكون صراع سلمي ديمقراطي.


الاثنين، 25 أبريل، 2016

سيد الرساميل التلاتة، عديله لي

الرأسمال الإجتماعي العرقي الثقافي، رأسمال القداسة ، والرأسمال الإقتصادي، الثلاثة ديل هم البي يحددوا مركز الفرد والجماعة في سلم التراتب الإقتصادي الإجتماعي في السودان وبي يحددوا حظوظ الفرد والجماعة في الترقي لمراكز السلطة في السودان، وبي يحددوا حصة الفرد والجماعة من فوائض إنتاج المجتمع. 
مراكز السلطة والجماعات والفئات المسيطرة هدفها في النهاية إقتصادي، المال والميزات الإقتصادية، ولكنها لإستدامة سلطتها وعشان تقعد محكرة فوق روسين الناس، لابد من أن تبرر تدعم وتموه وتخدع الناس عن حقيقة سلطتها وسيطرتها بطريقة تفكير تجعلها سائدة وتخضع لها عقول الكل ، السائد والمسود.
 أها طريقة التفكير الأنتجتها الفئات والجماعات الناهبة والقاهرة في سودانا دا مبنية على تقسيم الناس تبعاً للإجتماعي/العرقي/الثقافي، وتبعاً للقداسة الدينية وتبعاً للمكانة الإقتصادية. وبعد أن قرّ هذا التقسيم في عقول الناس منذ القدم وأصبح التعامل به سائداً في الريف والحضر، وأصبح يتدخل في كل أمور السودانيين من زواجهم وعملهم وحلهم وترحالهم، بقا نهب الفئات الأعلى عرقياً وثقافياُ، الأعلى قداسةً دينية والأعلى مكانة إقتصادية، نهبهم بقا يبرر له بالحكم والأمثال وبالدين وبالسائد في المجتمع.
صحيح الهدف هو المال والميزات الإقتصادية وإستمرارية المكانة الإجتماعية/الدينية/الإقتصادية التي تتيح المال والميزات الإقتصادية، ولكن الوصول لهذا يمر عبر تدجين عقول الناس بطريقة تفكير ترسخ للناس التراتب العرقي/القداسي/الإقتصادي وتجعله من طبيعة الأشياء، وبذا وبتلقيننا نحن طواعيةً لأطفالنا البديهيات وطبائع الاشياء، فإننا نلقنهم هذا التراتب الإجتماعي، ونعيد إنتاج مجتمعنا التراتبي المشوه، ونسمح للناهبين القاهرين أن يفلتوا من باب أن هذا التفاوت من البداهات ومن طبائع الأشياء.
وعشان كده ما يكفي إنو نقوم نفضح القاهرين والناهبين أو نصل لحدي أسقاط سلطتهم وبس. لازم نمشي أبعد ونفضح طريقة التفكير السائدة البتمكن لي ناس زي ديل، ونزيل الأسباب البتخلي التراتب في المجتمع مبني على العرقي/القداسة الدينية/الإقتصادي قدر الإمكان، وزي ما بنسعى نوزع الرسمال الإقتصادي على السودانيين، برضو نوزع الراسمال الإجتماعي العرقي، وراسمال القداسة عليهم، عشان مافي زول او فئة او طبقة عندها حصة كبيرة من الرساميل دي تاني تجي تتسلط على السودانيين.
عشان يكون في دولة معافاة ومستعدة للتقدم وللتطور لازم نعيد تقسيم هذه الرساميل على كل أفراد المجتمعات السودانية قدر الإمكان بحيث تتساوى حقوقهم في الفرص الإجتماعية والدينية والإقتصادية. لتقسيم الرأسمال الإجتماعي/العرقي/ الثقافي لابد من أن نحقق دولة المواطنة التي تكون الحقوق فيها مبنية على الجنسية السودانية*. لتقسيم رأسمال القداسة الدينية لابد من أن تقف الدولة على مسافة واحدة من حرية الإعتقاد للأفراد والجماعات في المجتمع وحقوقهم في التبشير بمعتقداتهم، وتقسيم الرأسمال الإقتصادي يكون بإقامة دولة الرفاه الإجتماعي التي تضمن لكل فرد وجماعة الحقوق الإقتصادية والحد الأدنى للعيش بكرامة وتحرر الإنسان السوداني من الجهل والفقر والمرض .
عشان نحقق التغيير دا لازم نعمل على تغيير التراتب العرقي والقداسي والاقتصادي في مؤسساتنا القديمة القبيلة والطريقة الصوفية وفي مؤسسات الدولة والمجتمع المدني ونفتح هذه المؤسسات للديمقراطية والعدالة والمواطنة.
وعشان عيون اطفالنا ما تضوق الهزيمة :) . 

* الجنسية السودانية التي تتوافق مع حقوق الإنسان وتلبي حقوق المواطنة.


الاثنين، 18 أبريل، 2016

القبيلة، الطريقة الصوفية والحداثة مرةً أخرى


فكرتين بسيطات بي يقودن معظم افكاري عن الواقع السوداني:
1- إنو صراع هامش/مركز هو في حقيقته صراع برجوطائفوقبليين الهامش المهمشين ضد برجوطائفوقبليين الهامش المتحالفين مع برجوطائفوقبليين المركز. وهذا الصراع لا يقصد وليس من همومه تغيير مؤسسات الهامش وبنية المجتمع نحو الحداثة وإنما همه قسمة السلطة والثروة مع المركز أو الإنفراد بالهامش لحكمه بنفس طريقة حكم المركز القديمة.
(برجوطائفوقبليين قمت بنحتها من برجوازيين - طائفيين -قبليين، وهى طبقة صنعها الإستعمار عن طريق القهر والمصالح بإستخدامه لآلة الدولة الحديثة وتركيبها فوق مؤسسات الإقطاع وبالذات القبيلة والطائفة).
2- لإصلاح حال النظام السوداني لابد من إحداث تغيير جدلي في المؤسسات المكونة له، وهذا التغيير يشمل تغيير البنية المادية نحو الحداثة بإحداث فصل بين الأسر التي تتوارث الزعامة والقيادة وبين المؤسسات، وفي بنية الوعي السائد نحو الديمقراطية والحقوق والحريات. وهذا التغيير يشمل مؤسساتنا القديمة (القبيلة والطريقة الصوفية)، ويشمل المؤسسات الحديثة سواء كانت من مؤسسات الحكم(الجيش والشرطة والأمن، القضاء، الإعلام، التعليم) أو الأسرة أو مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب.

السائد أن يتحرك حزب أو مجموعة لفرض رؤاها عن طريق السلطة، وإن تمت إزاحتهم حتى وإن بعد زمان طويل تتحرك الرؤى الكامنة في المجتمع والمضادة لرؤاهم لإجتثاث رؤيتهم، بل وتتحرك البنى السائدة لتدجينهم وتحويلهم وهم في عز سلطتهم، كما حصل مع مايو وكل الأنظمة العربية والأفريقية التي تحرك فيها صغار الضباط وإستلموا السلطة في الستينات والسبعينات، وإنتهوا كما بدوا ، بنفس المشاكل والأزمات. حتى تركيا وتونس للمراقب الحصيف سيرى أن التغيير فوقي وهش لانه تم بالسلطة وقابل للإزاحة تجاه حركة مضادة صبورة.
الصعب أن يدير المستنيرون المعركة داخل مؤسساتهم مع جماهير مؤسساتهم الحديثة والتقليدية ، وأن يتم تحويل هذه المؤسسات بواسطة جماهيرها لمؤسسات تراعي الحقوق والحريات وتعمل بالديمقراطية.

لابد من النظر للنظام الإقتصادي الإجتماعي بصورة كلية، وإدراج كل المؤسسات المكونة لنظامنا في خارطة التغيير، وترتيب العلاقات بين مراكز السلطة وبين جماهير واتباع هذه المؤسسات، بحيث يكون لهم دور لإتخاذ القرار داخل هذه المؤسسات، ويكون لهم الحق في تولي القيادة في هذه المؤسسات، وحق في الإصول والأموال التي تتداولها هذه المؤسسات والأسر التي تمسك بزمامها، لابد من أن نعترف بالمؤسسات التقليدية كمكون أساسي في نظامنا الإقتصادي الإجتماعي ونحدد علاقتها بالمؤسسات الأخرى في الدولة.
في تلاتة مواقف (ما لازم) نعملهم للبنى التقليدية(القبيلة، الطريقة الصوفية، أحزاب الطوائف)
 1- إنو نجرم أعضاءها وننعتهم بالتخلف.
 2- إنو ندخل فيها بغرض تثويرها.
 3- هدم هذه المؤسسات وإجتثاثها بقوة السلطة.
 الموقف الصحيح إنو ندعم عضويتها المستنيرة ونقف مع مطالب وحقوق جل عضويتها المهمشين ومطالبهم، ونشتغل على تحليل هذه المؤسسات ونقدها والتفاوض مع مراكز السلطة فيها للوصول لحلول لمشاكل تشوه النظام الإقتصادي الإجتماعي. هذه المؤسسات يغيرها أعضاؤها وما علينا إلا دعمهم. 
هناك من ينادون بالتغيير بالتنمية، وإدخال الإقتصاد التقليدي للسوق الرأسمالي دا كان شعار يسار دول العالم الثالث في الستينات والسبعينات ولا زال شعار كثير من المثقفين، وغلطو الأساسي إنو ما بركز على الإنسان في النظام الإجتماعي الإقتصادي ولا على المؤسسات الإقتصادية الإجتماعية القائمة ولا على نمط الحياة. يعني مثلاً الرعاة: المفروض ما نقوم طوالي نكورك إنو عشان يكون في حداثة عندهم لازم نوطنهم ويكونو مقيمين غير رحل، لا المفروض نستشيرهم ونساعدهم في بناء نهضة إقتصادية ضمن نمط حياتهم، إذا التغيير دا أدى في النهاية لي إنو يتوطنوا ليه لا؟ لكن منو القال إنو التنمية والنهضة لازم تكون على حساب الإنسان والمجتمع ونمط الحياة والثقافة والطقوس والعادات المتوارثة من ملايين السنين؟ ومنو القال إنو لا يمكن بناء حياة حديثة بنمط الترحال والتنقل؟ طبعاً حكوماتنا ومنذ الإستقلال عندها برامج فاشلة إسمها توطين البدو الرحل، قاتلة للمال ولإنسان مناطق البدو في السودان، وبرضو لو عارفين مصانع نظام مايو الوزعها على السودان بدون مراعاة نمط الحياة ولا الإقتصادي الإجتماعي ومؤسسات المجتمع التقليدية. وطبعاً فشلت كلها. التنمية يصنعها الإنسان بمؤسساته في مجتمعه ومحيطه ونمط حياته لتفي بإحتياجاته وتطور مجتمعه، لا بأن نهدم الإنسان القائم والمؤسسات القائمة والمجتمع لنأتي بإنسان غريب على البيئة والمجتمع القائم.
أنا قلتا إنو مجتمعاتنا مصابة بخلل هيكلي سببه الإستعمار بدمجه (آلة الحداثة) الدولة الحديثة مع وفوق مؤسساتنا التقليدية في نظام إقتصادي إجتماعي واحد، وده المسبب كل الشروخ والتشظي في مجتمعاتنا السودانية. الحاجة التانية أنا ما منادي بالإنغلاق ولا السلفية ولا الماضوية، انا بنادي بإستيعاب كل ماهو موجود (في الواقع) في نمط الحداثة البحاول نحققه، لانو إغماض العين عن المؤسسات التقليدية وتجاهلها، أو إصدار الأوامر السلطوية بإزالتها من الوجود لن يحل مشكلتنا. الحل أن نفتح عينينا الإتنين ونشوف الواقع فيهو شنو حقيقةً ونتعامل معاه. وأخيراً انا منفتح وأدعو للإنفتاح تجاه كل الأفكار من الشرق والغرب ، حديثها وقديمها والجدل معها حتى نستطيع رؤية العالم وواقعنا بأكثر من منظور، لانو زي ما اليد الواحدة ما بتصفق، الرؤية الأحادية ما بتشيف، ما رفضته هو إستيراد المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية ومحاولة زرعها في واقعنا، لانو المؤسسات دي آلات وليست أفكار، وهى مثل الأشجار يجب أن تزرع بذورها (الأفكار المشكلة لها) لكي تنمو متوائمة مع البيئة الإجتماعية الإقتصادية في السودان، لا أن تستورد آلة مكتملة الصنع صنعت خصيصاً متوائمة ومطابقة لمواصفات مجتمع آخر. 
باقي النقاش تجدونه هنا:
القبيلة، الطريقة الصوفية والحداثة 

الثلاثاء، 12 أبريل، 2016

كيف نرى القضايا ؟

"جامعة الخرطوم مثالاً"
 
المعركة بالتحديد هى: معركة بيع ممتلكات الشعب السوداني بواسطة سماسرة النظام.

حولوا الإقتصاد لي إقتصاد ريعي يعتمد على بيع الإصول، وإقتصاد خدمات ، يعتمد على الخدمات المالية والتجارة والإتصالات. وليس هناك من إنتاج زراعي فمشروع الجزيرة تم تحطيمه ونهب ممتلكاته، وليس هناك من وسيلة نقل رخيصة تغطي البلد فقد تم تحطيم السكة حديد، وليس هناك من صحة فقد تم بيع المستشفيات. معركة بيع جامعة الخرطوم تنتمي للمعركة أعلاه. ولكني أراها كل يوم تتحول ل ‫#‏معركة_هويات_قاتلة‬ ، وهذه مشكلة كبيرة.
من يقولون أن خريجي جامعة الخرطوم متعالين على الآخرين ويحتلون بفعل هذه الهوية مرتبة أعلى في المجتمع بغير حق أقول: إن الجامعة جامعة الشعب السوداني، ومشكلة التراتبية الإجتماعية بفعل الهوية يمكن حلها فقط إذا حافظنا على ممتلكات الشعب.
من يقولون أن جامعة الخرطوم ليست أغلى من الإنسان الذي يموت، ولا من باقي ما تم نهبه، أقول: أن السودانيين والسودانيات هم وممتلكاتهم معركتهم نفس المعركة فلا تجزأوها، يمكن أن تكون ضد الحرب والموت المجاني، وضد نهب المستشفيات وأراضي الأهالي الزراعية، وأيضاً ضد بيع جامعة الخرطوم، كلها نفس المعركة.
من يقولون أن الجامعة إرث إستعماري: أقول لهم: إن ما يجب تصفيته من إرث الإستعمار هو الإستعمار الثقافي، ولكن الأدوات التي خلفها الإستعمار ومنها مؤسسات الحكم والشرطة والجيش والتعليم والقضاء والصحة وغيرها، كلها أدوات تشتغل بطريقة التفكير السائدة في البلد، فلنغير طريقة التفكير فتصبح كل الدولة وطنية ومنعتقة من الإستعمار.
من يقولون أن خريجي جامعة الخرطوم يحتكرون المعركة ويطلقون شعارات كأن جامعة الخرطوم ملكهم وكأن جامعة الخرطوم أهم مافي الوطن، اقول لهم: أنتم تفهمون انها من ممتلكات الشعب وبيعها بيع لممتلكات الشعب، لذا المعركة ليست معركة خريجي جامعة الخرطوم، إنها معركتك ومعركة الشعب.
كنت دائماً ما اريد أن اكتب عن الهوية ويبعدني إنشغالي، ولكن هذا اللغط، والإختلاط المفاهيمي الآن هو خير شاهد على كيف تتحول معركة واضحة وتتم إزاحتها من مجال معارك الحقوق، لتصبح #معركة_هويات_قاتلة. وهل جامعتي أحسن أم جامعتك، ودا طبعاً ما صراع ساذج، لانه صراع يحدد التراتب والمصالح على هرم الإجتماعي الإقتصادي، صراع غير ساذج ولكنه أناني أو ضيق الأفق، لأنه لا يرى الصورة الكبيرة: معركة سرقة ممتلكات الشعب، والذي هو من له الحق أن يصيغ الجامعة ودورها كما يشاء، فقط إن بقيت له جامعة الخرطوم.

الأحد، 10 أبريل، 2016

جدل

- مهداة لأبوبكر الأمين

في غسقٍ ثقلت نجومه
فَنَزَلت قليلاً وبدت كمن تضاحكنى
وهلة أن أعبر الشارع في الظلمة المتهافتة

ربَّت على كتفي فجأةً فأمتلأتُ
بالوجه الأخدر الودود
 بشلوخه المطارق وسبحة اللالوب
والجبة الخضراء
كنا أنا وهو في اللحظة، ثم تتفلت من يدي،  تتجزأ للحيظات تتجزأ ... فألتفتُّ
(خلفي ملايين الأنا
ميتون ثم ينازعون، ثم يحاولون التشبث، وخلفي تماماً
أنا مرعوب بما يشده للوراء وبرؤيته لي وانا اولد من جديد)
لحظةٌ ثم تهاوت، وتبدت لي العتمة وهياكل الأشجار وخيط الضوء
ينبت في البعيد
ليس ثمة من سبحةٍ ولا جبة خضراء ولا الوجه الودود
ليس إلا السماء وقد ثقلت نجومها فنزلت قليلاً وبدت كمن تضاحكني

 وأنا  إذ أموت،وإذ أحمل من ذاتي القديمة
وأنا إذ أولد من جديد

منظمات العمل الطوعي، قف تأمل !

أحب أن أنوه في بداية مقالي أنني من المنادين بضرورة العمل الطوعي ومنظمات المجتمع المدني بشكل عام، ورأيي أن لها دور عظيم يتداخل مع ويكمل عمل الدولة وعمل الأحزاب السياسية ولا يناقضه ولا يخصم منه. وإن كان هناك من يجأرون بأن العمل الطوعي يخصم من زخم تقدم التغيير الإجتماعي فلهم أقول أن هذا دليل على تراجع عمل الأحزاب والمنظمات السياسية أكثر منه سرقة لدور هذه الأحزاب والمنظمات بواسطة العمل الطوعي. 
المنظمات الطوعية، الأحزاب، مؤسسات التغيير وأي مؤسسات داخل المجتمع إما أن تشتغل بشروط النظام الإجتماعي الإقتصادي وبي كدا ما بتختلف من المؤسسات الموجودة ، مؤسسات البرجوازية القبلية والبرجوازية الطائفية، أو ضد شروط السائد لتغييره، وعشان تكون كدا لازم تكون في حالة إنتباه دائم للوعي الذي تنسجه وللمادي الذي تغيره.
النقد البتقدم لبعض منظمات العمل الطوعي (والبي تتلقا دعم أجنبي لي برامجها):
1- إنها مخلب قط للرأسمالية العالمية واللبرالية الجديدة وما بعد الحداثة، وإنو عندها أجندتها المعادية لمجتمعاتنا.
2- إن الموظفين الأجانب والمحليين ومن أجل إستمرارية المنح والعطايا والحياة المرفهة التي توفرها لهم هذه المنظمات فمن مصلحتهم إستدامة المآسي التي يعملون عليها وتضخيمها بل ووصناعتها إن لم تكن موجودة.
3- هذه المنظمات لا تعمل بطريقة تضامنية لخلق حافز لكي تنشط وتنهض المجتمعات المحلية بمسؤولياتها، ولكنها بإدخالها نهج العطاء والمنح تدمر هذه المجتمعات وحوافز حركتها الداخلية وتجعلها معتمدة على الأجنبي.
4- هناك فئات تم صناعتها في المجتمع السوداني (من اليسار واليمين) تابعة ووكيل ومروجة لقيم الرأسمال العالمي وبما أن هذه الفئات واسرها مستفيدة من هذا الوضع فإنها تعمل بشراسة للدفاع عنه وإستدامته.

طيب الكلام قد يكون صحيحاً لمنظمات كثيرة ومنها منظمات الأمم المتحدة، لكن مشكلتو إنو بهمل حاجة مهمة: إنو هناك عنف بنيوي في هيكل المجتمعات السودانية، وأن لهذا العنف ضحايا، وأن هذه المنظمات تقدم ,وبأجندتها أعلاه العون لهؤلاء الضحايا، وهذا الهجوم الشرس والعنف من النظام الإقتصادي الإجتماعي السوداني والذي تتسابق الرأسمالية العالمية لإقتناصه وتحويله لمصلحتها، لا يجب أن يقابل  بالآراء التي تطالب برفض وطرد هذه المنظمات، وإنما يجب أن يقابله الإعتراف بالضحايا، الإعتراف بالعنف البنيوي في هيكل مجتمعاتنا ودراسته وتحليله وإقتراح حلول قصيرة وطويلة المدى، وأهم شئ أن تكون هناك (منظمات وطنية) تقدم الدعم والمشاركة والعون والتدريب لمجتمعاتنا كي تتجاوز أزماتها، وأن تكون هناك قوانين ومراقبة ومراجعة للدعم الأجنبي وشفافية في نشر قوائم المنظمات وبرامج عملها وإنجازاتها على الأرض، وأن يرفض أي دعم غير مربوط بالأهداف الإستراتيجية للتغيير في مجتمعاتنا أو يحيل لمصالح الرأسمالية العالمية (الغير مطابقة لأجندتنا الوطنية، المطابقة ما فيها مشكلة).
بالنسبة لمن يعملون في هذه المنظمات، هناك معركة الخارج ضد الرأسمال العالمي وإستغلاله للشعوب عبر مؤسساته العالمية، وفي معركة الداخل مع البرجوازية- الطائفية والبرجوازية-القبلية عبر مؤسساتهم الداخلية. المعركتين المفروض نخوضهم وفي نفس الوكت ما مفروض الزول ينفض يده من مؤسسات الخارج لحدي ما المعركة تنجلي، ولا مفروض ينفض يده من مؤسسات الداخل لحدي ما المعركة تنجلي، ببساطة لانها في الحالة الأولى ملك للإنسان والإنسانية وملك للمواطنين في الحالة الثانية.

لا أطالب بالإتساق مع الضمير العالمي والقيم الأوروبية ,ولا أدعو لتغريب السودان، ولكن هل المشكلة في التسميات، هل المشكلة خلقتها المنظمات؟  ما ضروري نسميها Genocide عشان تكون عندنا مذابح، وما بالضروري نسميها child abuse عشان يظهر عندنا عنف ضد الأطفال، وما بالضروري نسميها Harassment عشان يظهر عندنا تحرش، الحاجات دي قاعدة بالكوم عندنا وسببها الرئيسي (داخلي) من عنف النظام الإجتماعي الإقتصادي السوداني، الرأسمالية تستغلها ما تستغلها ، الحاجات دي موجودة، يبقا لازم نعترف بيها ونعالجها، وأكان غلبنا نطلب المساعدة لحلها ولكن ضمن أجندتنا لا بأجندتهم قدر الإمكان. إنكار هذه الوقائع هو مشكلتي.
  أنا دائماً ما أحاول أن آخد جانب الضحايا، إذا كانت هناك مضار لبعض المنظمات الأجنبية والتي تتلقى الدعم الأجنبي، فلها مزية كبيرة، إنها تقف مع الضحايا والمنتهكين، إذا نحن ما قادرين نقيف مع ضحايا نظامنا الإجتماعي الإقتصادي فعلاً لا تضامناً قولياً، فالأحسن أن تقف معه هذه المنظمات، ونمسك خشمنا علينا.
أوجه أصبعي نحونا، نحن من تركنا ثغرة تحتاجها المجتمعات السودانية، ومن بعد قمنا بالصراخ على من ملأ ذلك الفراغ.
ما يهمني أن لا ننسى ضحايا الإنتهاكات السودانيين والسودانيات في غمرة الهجوم على الأجنبي الرأسمالي النيولبرالي.
ما يهمني : ماذا قدمنا لضحايا الإنتهاكات السودانيين والسودانيات، وماذا سنقدم لهم.


 * الأجندة الوطنية هى التي تحافظ على حقوق وحريات السوداني والسودانية من القهر والنهب الأجنبي

الاثنين، 4 أبريل، 2016

هل السودان دولة رأسمالية ؟

بوضوح شديد: السودان (ما) دولة رأسمالية، السودان (دولة ما بعد إستعمار)، والإقتصاد الفيها إقتصاد ما بعد الإستعمار، وعلاقات الإنتاج الفيها علاقات ما بعد الإستعمار، وإختلاط المؤسسات مابين قديمة وحديثة، وإختلاط الأنماط الإقتصادية ما بين تقليدي وحديث، وإختلاط طريقة التفكير السائدة ما بين ليبرالية وابوية وصائية دا كلو ناتج من إنو السودان دولة ما بعد الإستعمار ، حيث تم تشويه النظام الإقتصادي الإجتماعي وتم تشويه طرق التفكير في السودان بواسطة الإستعمار،ومنذ حينه أصبحت المنظومة السودانية شبه عاجزة عن التطور الذاتي وأصبحنا مسجونين في حلقة الفشل الدائرية.
على المستوى العالمي نعم هناك قهر وتهميش ونهب من الرأسمالية العالمية، على المستوى المحلي انا بقول إنو العنف والنهب والقهر والتهميش ناتج من نمط إنتاج ما بعد الإستعمار والذي تتداخل فيه سمات نمط الإنتاج الإقطاعي ونمط إنتاج الرأسمال، وإنو النهب والقهر والتهميش في الداخل بسبب هذا النمط وعبر مراكز السلطة البرجوقبلية و البرجوطائفية*، وهم أيضاً يلعبون دور الوسيط والوكيل للرأسمال العالمي. بغير إدراك هذه الحقائق، ودراسة الواقع الحقيقي على الأرض لا الإنطلاق من الأيدولوجيا للايدولوجيا سواء يسار او يمين، بغير الحفر في الإقتصادي الإجتماعي السوداني، بغير الحفر في حياة السودانيين، لن يحدث شئ.

كنت دائماً ما انعى على كارل ماركس إنه يعتبر "الإستعمار" تمديداً لنمط الإنتاج الرأسمالي (وهذا يستبطن نشر الأمة الأوروبية للحداثة وسط البرابرة). وكنت بقول إنو الإستعمار بي يحدث قطع في تطور المنظومات الإجتماعية للشعوب وبي يقهر فيها نمط مصنوع من أنماط الإنتاج، وسميتو (نمط إنتاج دولة ما بعد الإستعمار).
ومن البديهي إن أقول أن نمط الإنتاج الرأسمالي والسوق الرأسمالي هو المسيطر على العالم، ولكنه ليس سائداً في كل المجتمعات. إقتصادنا(نمط مابعد الإستعمار) وسوقنا ومراكز السلطة البرجوطائفوقبلية المسيطرة على مجتمعاتنا تلعب دورالرابط، التابع والوسيط للرأسمال العالمي، ولذا يقع على المجتمعات السودانية قهر ونهب مزدوج، قهر ونهب (مراكز السلطة في مجتمعات ما بعد الإستعمار)، وقهر ونهب الرأسمال العالمي عبر الوسيط المحلي "التحالف البرجوطائفوقبلي" .
في نمط إنتاج مابعد الإستعمار، هناك مراكز السلطة البرجوطائفية وبرجوقبلية والتي تستغل التحيزات الدينية والتحيزات العرقية والتحيزات الإقتصادية لإستدامة سيطرتها، ومن ثم تتراتب المجتمعات حسب قربها أو بعدها من هذا المركز، فأصحاب النسب الشريف والقداسة الدينية والمال هم في سنام الطبقة البرجوطائفوقبلية، ومن ثم يتبعهم الباقون، وفي القاع يقبع المهمشون من عمال وأصحاب الحرف والمهن الهامشية ، وصغار المزارعين، والعساكر(الجنود)، والأتباع في القبائل والطرق الدينية، وأدنى سلم التراتب الإقتصادي الإجتماعي هم الأدنى في سلم التراتب العرقي، الديني والإقتصادي. 
هناك دول كانت مستعمرة وتحررت وتقدمت، لذا في رأيي أن تقدم دول ما يسمى (بالعالم الثالث) ونحن منها، ومعظمها يسيطر عليها نمط إنتاج (مابعد الإستعمار)، أن تقدم دول العالم الثالث ليس رهناً بحل مشكلة الرأسمالية العالمية بالرغم من ثقل ووزن هذه المشكلة الهائل وواجب العمل على حلها ضروري ودائم،  إن تقدم دول العالم الثالث ونحن منها رهين بتجاوز التشوهات والهجنة التي أحدثها الإستعمار بصناعته لنمط ما بعد الإستعمار في بلادنا.
  (
* برجوازية - قبلية، وبرجوازية- طائفية)
أقول، كنت دائماً ما انعى على كارل ماركس إنه يعتبر "الإستعمار" تمديداً لنمط الإنتاج الرأسمالي لكن الليلة وانا بحفر في الموضوع تاني إكتشفت إنو كارل ماركس عندو في المسألة دي تلاتة خيارات :
1- أن يسود نمط
إنتاج المُستَعمِر.
2- أن لا يتدخل المُستعمِر في نمط إنتاج المجتمعات المُستعمَرة ويكتفي بجباية أو جزية على الدولة ككل.

3- أن يحصل تداخل في أنماط الإنتاج ما بين المُستعمَر والمجتمعات المستَعمَرة وينتج من ذلك نمط إنتاج هجين.

  (In the trivial form, however, in which these questions have been raised above, they can be dealt with quite briefly. Conquests may lead to either of three results. The conquering nation may impose its own mode of production upon the conquered people (this was done, for example, by the English in Ireland during this century, and to some extent in India); or it may refrain from interfering in the old mode of production and be content with tribute (e.g., the Turks and Romans); or interaction may take place between the two, giving rise to a new system as a synthesis (this occurred partly in the Germanic conquests). In any case it is the mode of production – whether that of the conquering nation or of the conquered or the new system brought about by a merging of the two – that determines the new mode of distribution employed. Although the latter appears to be a pre-condition of the new period of production, it is in its turn a result of production, a result not simply occasioned by the historical evolution of production in general, but by a specific historical form of production)
Karl Marx: Critique of Political Economy

الأربعاء، 30 مارس، 2016

ماهى قوى التغيير في السودان ؟

واحد من الأسئلة الفتح النقاش عنها نقاش الحزب الشيوعي عن التغيير الآن، ممكن النقاش تلقوه في الرابط دا  http://sudancp.com    

ماهى قوى التغيير ومؤسسات التغيير ؟

 زمان في أدبيات الحزب الشيوعيين والديمقراطيين طوالي بي يعملو لصق ونسخ لي "الطبقة العاملة وتحالفها مع صغار المزارعين والجنود وصغار الضباط والمثقفين الثوريين والبرجوازية الوطنية " والكلام دا كان باب كامل في اي برنامج. زمان الناس ما كان بي تفكر في كل كلمة بتكتبا، وكان عندهم يقين في المتوارث من المناضلين الصلبين في معاركهم وفي افكارهم  ويسعون للإسترشاد بنضالاتهم وبأفكارهم، لا بالإسترشاد بالمنهج الذي أخرجها ولكن بإلإستمساك بها والوقوف في وجه الزيادة عليها، تطويرها أو تغييرها، وانا كنتا سلفي برضو زي الباقين.
أها الكلام الفوق دا عن قوى التغيير ما بتلصق ساكت، لازم تسبقو دراسة عن واقع البلد الإقتصادي الإجتماعي وعن القوى الحية فيه، وعن المؤسسات الإقتصادية الإجتماعية التي تمثل الطوب في بناء النظام الإقتصادي الإجتماعي، ودراسة الواقع دائماً غير منتهية لأن وقائع الواقع متجددة ولا نهائية.
 بي سبب السلفية ولصق ونسخ الباب بتاع قوى التغيير دا بدون دراسة جادة ومستمرة للواقع، بدأت ومنذ ما قبل الإستقلال تظهر قوى على سطح النظام الإقتصادي الإجتماعي وليس لها تكييف فكري ولا موقعه في النظام الإقتصادي الإجتماعي كما يفهمه الشيوعيين والديمقراطيين، وبالتالي ليس لها دور في الثورة الوطنية الديمقراطية التي يسعى لها برنامج الحزب الشيوعي وتحالف الديمقراطيين، تمثلت هذه القوى أولاً في المواطنين الذين قاموا بالإنتفاضات الجهوية في الجنوب والغرب والشرق، ومن ثم صار إسمهم المهمشين ككتلة واحدة تنادي بمطالب لم يسعها برنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية. ومن ثم وبعد أن تم خرق الثوب الأيدولوجي للبرنامج تتالت القوى التي تعبر عن نفسها بنشاط وليست مصنفة كقوى تغيير في برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية.
في رأيي أن كل رواد التغيير بحاجة لأن يقوموا بدراسة عميقة للواقع الإقتصادي الإجتماعي، على رواد التغيير أن يعرفوا السودان ونظام السودان ومؤسسات الشعب السوداني والقوى الحية الفاعلة فيها كما يعرفون باطن يدهم، وعندها سيكونون قادة التغيير.
الأسئلة المهمة تاني: ماهو الواقع الإقتصادي الإجتماعي في السودان؟ ماهى المؤسسات الفاعلة فيه؟ ماهى الطبقات والفئات والجماعات المؤثرة فيه بنشاط؟
 

رابط برنامج الجبهة الديمقراطية:
http://sudaneseonline.com/board/277/msg/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84-%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%86%D8%A7%D9%85%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9--1189414485.html

الاثنين، 21 مارس، 2016

كَلِمْتِي

#إحتفال بالشعر والشعراء


كَلِمْتِي شَجَرٌ
يُفَاجِئُكَ بالجوافة وَالْمانْجُو، بالعرديب والتُّوتِ الْبَرِّيِّ
وَيُسكِتُكَ فِي القونقليز الْحَرِيف
تتشرب أَحَرُفَهَا النَّمْلُ وَالْأَرَضةُ، تتشرب الْمُفَارَقَةَ، َالْفِكْرَة الَّتي نَسِيَهَا صَاحِبُهَا تَحْبُو عَلَى النَّاصِيَةِ ، اللُّثْغَةَ فِي كَلَاَمِ الطِفْلَةِ،
 تتشرب مَا سَيُحَدِّثُهُ الْمَطَرُ لِلدَّغَلِ فِي اللَّحَظَةِ التَّالِيَةِ، جراء إحتضانه لِغَزَالٍ وَلِيد
تتشربنى
تتشربكم
ثَمَّ تَنْفَجِر 
كلمتى لَمْ تَمْسَسْهَا نَارُ مَا أَوُقِد بِالْكِبْرِيتِ
إِذْ أَلَقْيَتِهَا حَيَّةًً تَطَارُد ثَعَابِين الضَّجَر
ستَخلِقَكُمْ أنبيَاء
تَغْزِلُونَ أعشاش طُير أَمْ دلْو دلْو
تُغَازِلُونَ الْفَرَاشَاتِ
وَتُهَمْهِمُونَ بِاللُّغَةِ الْغَرِيبَةِ

كلمتى شَجَرٌ
كلمتى سُفَرٌ إِلَى حَيْثُ لَا حَيْث
حَيْث كُلَّ شئ غَرِيب وَلَكِنهُ يَشَبهُكَ فِي اللَّحَظَةِ التَّالِيَة
كَلِمْتِي مَطَر سَيُغَرِقُكَ