السبت، 25 مايو 2019

الجنجويد في نادي نخبة الخرطوم

قلت من قبل ان إدارة دولة حديثة تحتاج إلى وعي حداثي، وان المؤسسات الحديثة للدولة في دولة ما بعد الاستعمار ولأنها معشقة مع مؤسسات القبيلة والطريقة والطائفة في المجتمع تنتج وعيا ملتقا لا هو بالحداثي ولاهو بالاقطاعي والنتيجة ان مؤسسات الدولة الحديثة ومؤسسات المجتمع القديمة كلاهما لا يحسن المجتمع إعادة انتاجهما، في الحضر تتدهور مؤسسات الدولة مع استحقار لمؤسسات المجتمع القديمة، وفي الريف تتفكك المؤسسات التقليدية مع تزايد العداء لمؤسسات الدولة الحديثة باعتبارها غريبة وقامعة وناهبة . والنتيجة انهيار شامل.
أدركت النخب البرجوطائفوقبلية ان وعي دولة مابعد الاستعمار والذي يحكم بأدوات حديثة ويرفع طوعا سوط العادات والتقاليد في المجتمع لكي يستمر التراتب المبني على القداسة الدينية والأصل الشريف والثقافة العربية والمكانة الاقتصادية، أدركت النخب ان هذا  الوعي الاجتماعي الذي كان طواعية يقمع المهمشين الثائرين قد تهلهل مع تزايد تهلهل المؤسسات القديمة وارتخاء قبضة مؤسسات الدولة، ولذا أصبحت هذه النخب لا تستطيع أن تحكم بتفويض طوعي من المجتمع ولذا تتمدد فيها أجهزة القمع الشرطية والامنية والعسكرية مقرونة بتهلهل هذه المؤسسات.
بالمقابل في الريف القبلي لم يسعى البرجوطائفوقبليين نبلاء القبائل الثائرين على الاضطهاد الديني، العنصري والاقتصادي لبناء منظمات ومؤسسات حديثة لتقود الثورة وانما عمدوا لتثوير القبيلة، والقبيلة لاتثور من أجل الحرية والعدالة والسلام وانما من أجل الغنائم والاستعلاء على كل من ليس عضوا في القبيلة. بالنتيجة استعانت الدولة بميليشيات قبلية  دعما لمؤسساتها العسكرية المتهالكة لتحارب مليشيات قبلية ثائرة، وايا من انتصر فقد تم أضعاف  مؤسسات الدولة الحديثة والاعلاء من الوعي الاقطاعي وضعفت سيطرة النخب البرجوطائفوقبلية مع ضعف وتهلهل المؤسسات الحديثة والقديمة، وهذا الوضع سيقود في نهاية المطاف لانهيار دولة مابعد الاستعمار وقيام دويلات المليشيات.
النخب البرجوطائفوقبلية تدرك تماما إنها مع تهلهل مؤسسات الدولة الحديثة وتهلهل وعي العادات والتقاليد  القديم لن تستطيع أن تحكم في وضع ديمقراطي وان كان شكليا حيث سيتجرأ عليها العوام الذين تغير وعيهم وانفكوا من مؤسسات القبيلة والطريقة والطائفة ووعيها القديم.
 اذن ماذا تفعل هذه القوى:  اما ان تعمد إلى بناء نظام ديمقراطي حقيقي وتعيد هيكلة مؤسسات الدولة والمجتمع بحيث تكون هناك دولة قابلة للحياة والتطور، ولكن هنا بهذا الخيار تفكك النخب البرجوطائفوقبلية أسباب ووسائل بقائها. واما ان تعمد إلى دعم أسباب ووسائل وجودها بالقمع والقهر بالاستناد للمؤسسة العسكرية، ولكنها تهلهلت؟! اذن تعتمد على المليشيات القبلية، على حميدتي رأس الجنجويد.
النخب البرجوطائفوقبلية يسارا ويمينا، قوى حديثة وتقليدية، في الخرطوم تحتاج لقائد المليشيا لكي تستمر في السيطرة ولذا تستوعبه وتضمه لناديها، وقائد المليشيا لن يستطيع السيطرة استنادا على القمع المباشر فقط ولذا يحتاجهم كغطاء شرعي، وهذا تأريخ لبداية دخول قادة المليشيا لقمة نادي البرجوطائفوقبليين في المركز.
لن تدرك النخبة لقصر نظرها ان خيارها الخاطئ بدعم رأس الجنجويد قائد المليشيا لن يؤدى في كل الاحوال الا إلى زوال سيطرتها: اما بشروق شمس دولة المليشيات وانهيار الدولة الحالية ودفن نخبتها معها، واما ببناء الجماهير لمؤسساتها من القاع والانتظام في الثورة الشاملة التي ستكنسهم جميعا إلى الأبد..
وما العمل؟ 

ان يعمد الثوار  الان وعلى مدى القصير والطويل لبناء المؤسسات البديلة ابتداءا من القاع، مؤسسات تدعو للعدالة والمواطنة والحرية وينتظم فيها اهالي الريف والحضر، تنظمهم وترفع وعيهم وتكون سلاحهم في المعركة العنيفة الحالية و القادمة. نعم، لجان الاحياء والفرقان والقرى والعمل.

الخميس، 7 مارس 2019

لاجل من نثور في السودان -النضال المتقاطع


في الفلسفة المادية الجدلية (الماركسية) تتوجه الثورة بخطابها للطبقة العاملة لسببين:
1- لانها الطبفة التي يقع عليها اصرالنصيب الاكبر من النهب والقهر والتضليل من قبل السلطات المختلفة.
2- لانه بتحقيق نظام يحقق للطبقة العاملة (اكثر الطبقات ظلما) العدالة والحريات والحقوق يتحقق العدل والحربات والحقوق لكل طبقات المجتمع، فإزالة النصيب الاكبر من الظلم الواقع عليها يعني اليا تحقيق نظام يحقق العدالة والحربة.
ولذا اطلفت الاحزاب الشيوعية شعار "يا عمال العالم اتحدوا" ليتحقق نظام عالمي عادل يتمتع فيه كل انسان بالحريات والحقوق.
تناولت بالنقد من قبل شعار يا عمال العالم اتحدوا وبينت عدم دقته في أن عمال الغرب المسنعمر وابناءهم واحفادهم والى الان قد نالوا نصيبهم من خيرات الدول المستعمرة والتي تضررت كل طبقاتها والضرر الاكبر بالطبع وقع ويقع على عمالها، ولذا يصعب أن تطالبهم بالاتحاد مع مستغليهم.
كذلك في السودان دولة نمط انتاج ما بعد الاستعمار ذي علاقات الانتاج المتقاطعة ما بين الراسمالية والاقطاعية، ما بين مدن بها مؤسسات اقتصادية حديثة ونقابات واحزاب وعمال واجور الى حد ما ، وما بين ريف تسود فيه القبيلة والطائفة وعلاقات اقطاعية وعمال رعي او عمال زراعيين يعملون بالكفاف لمصلحة زعماء القبيلة والطائفة الاقطاعيين/البرجوازيين في نفس الوقت. قلت بالنسبة للمدن الى حد ما لانه حتى المؤسسات الحديثة مخترقة من قبل مؤسسة القبيلة والطائفة، فتجد البرجوازي/الاقطاعي وكذلك تجد العامل/التابع القبلي او الطائفى. الخلاصة اته حتى شعار يا عمال السودان اتحدوا غير دقيق، اولا لان عمال السودان يعملون في موسسات غير متجانسة، بعضهم في مؤسسات حديثة واكثرهم في مؤسسات القبيلة والطائفة الاقطاعية. السيب الثاني والاساسي هو ان عمال المدن في السودان ينالون نصيبا من فائض قيمة عمل عمال الريف الرعاة وعمال الزراعة، ولذا يصعب اتحاد المستغل والمستغلين.
سلطة تحالف المستغلين (الطبقة العليا من البرجوازية واسر زعماء القبائل والطوائف) ومنذ الاستقلال تعتمد رؤية عمادها الدين الاسلامي والثقافة العربية والاصل النبيل لتقاسم الميزات والانتاج الاقتصادي ولتحديد مكانة كل فرد ومؤسسة في سلم تقاسم الفوائد والانصبة الاجتماعية والاقتصادية. بالطبع في اعلى هذا السلم يقع كبار البرجوازيون واسر نبلاء القبائل والطوائف يلتهمون كل شئ ة ويقهرون الجميع، واشد المقهورين هي مؤسسات القبيلة الغير عربية وتحديدا اذا كانوا يدينون بديانة غير الاسلام ولا يتكلمون العربية. ولكن تمهل قليلا فنظام الدولة الاقصائي يسري على جمبع المؤسسات، فداخل المؤسسات المقهورة تنقسم الفبيلة لبرحوازيين/اقطاعيين بقهرون وينهبون اتباعهم ويفاوضون بهم ويتحالفون مع كبار البرجوازيين والاسر النبيلة في المركز.
لتقويض النظام القديم نحناج لتقويض التراتب الاجتماعي والقائم ليس على تراتب برجوازيين مقابل عمال مستغلين فقط وانما على زرقة مقابل رؤية سلطوية عروبية تقمع القبائل الغير عربية، نساء مقابل رؤية سلطوية ذكورية تقمع النساء ، غير مسلمين مفابل رؤية سلطوية اسلامية سلفية تقمع المختلف. مع كل هذه التقاطعات في الواقع السوداني المعقد تحتاج النساء كفئة أن يناضلن نضالا عابرا للطبقات كي يحققن اهداف مشتركة في وجه الرؤية السلطوية الذكورية، وكذلك غير المسلمين او اصحاب الرؤى الاسلامية المختلفة يحتاجون للوقوف معا وقفة عابرة للطبقات لتحقيق مجتمع التسامح، والحرب على عنصرية السلطة كذلك. اذا النتيجة يجب أن لا تنسى أن حربك ونضالك متقاطع في عدة جبهات، افقيا متحالف مع طبقتك، وراسيا مع فئتك في كل الطبقات، وهذا هو النضال المتقاطع.
واحيرا ارجع لسؤال البداية: لاجل من نثور في السودان؟ واجابتي هى بتعديل الاجابة الكلاسيكية للفلسفة المادية الجدلية (الماركسية) نثور لتحقيق العدل والحريات والحقوق لاكثر الفئات ظلما وقهرا ونهبا: شغيلة الريف الرعاة وعمال الزراعة واولهم نساءهم، الغير عرب واصحاب الديانة المختلفة كل هذا الوصف معا، ومن ثم شغيلة الريف من الرعاة والمزارعين العرب ومن ثم عمال المدن وصغار المزارعين والجنود وصغار الضباط وصغارالموظفين وغير المستوعبين في العمل ومن ثم البرجوازية الصغيرة والمثقفين الثوريين والمبدعين كل هذه الجماعات يجب ان تتحالف لتحقيق العدل والحقوق والحريات لاكثر الفئات ظلما في السودان 
(شغيلة الريف الرعاة وعمال الزراعة واولهم نساءهم، الغير عرب واصحاب الديانة المختلفة كل هذا الوصف معا) بالغاء اسس استغلال ونهب وقهر هؤلاء يتحقق العدل والحريات والحقوق لكل الفئات والطبقات في نظام دولتنا السودان.
امثال عملي من السودان والامثال تقرب المجرد للفهم. قانون النظام العام يطول بائعات الشاي والأطعمة وعموم العاملات والعمال في هامش سوق المدينة فتصادر بضاعتهم وأدوات عملهم الزهيدة والغالية كحياتهم عندهم ويتعرضون للتحرش والعنف البدني، وكذلك يطال هذا القانون سيدات عمال المدن و سيدات البرجوازية الصغيرة والعليا وحتى بنات الاصول من النبلاء بدعاوى الزي الفاضح والخلوة غير الشرعية وغيرها من الدعاوى. هذه مشكلة من الممكن ويجب ان يكون فيها تحالف نسوى ومن يدعمونهن عابر الطبقات ولكن النتيجة تعتمد على الحل، اذا تم حل على الطريقة البرجوازية فستستمر مطاردة عاملات وعمال هامش السوق المديني ومصادرة نتاج وأدوات عملهم قائمة بدعاوى أخرى مثل التراخيص وغيرها تحت سلطات المحليات كما كان حاصلا ايام مايو ويتم استثناء باقي النساء، اما اذا تم الحل على اساس نسوي -طبقي فستنعم كل النساء بالإضافة لحل جذري لمشكلة استغلال الدولة لطبقة عمال هامش السوق المديني واستغلالها لهم لصالح عمال المدينة المنظمين و البرجوازية  ونبلاء القبائل والطائفة، وبذا ننعم بنظام عادل خالي من الاستغلال

السبت، 30 يونيو 2018

المؤسسة موضوع التغيير

المؤسسة هى تجمع  عن قصد لاشخاص في هيكل للوصول لاهداف محددة.

 لكل مؤسسة مدخلات من المحيط الخارجي، ومعالجة من قبل المؤسسة لهذه المدخلات، ومخرجات من المؤسسة للمحيط الخارجي. 
ينضم الأفراد للمؤسسات للفوائد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والثقافية والعاطفية والنفسية والروحية التي يجنونها وفي ذلك يتنازلون عن بعض (وفي حالات متطرفة عن كل) حرياتهم.
الفرد دائما ما يكون عضوا في اكثر من مؤسسة، كل منها تقدم له جزء من احتياجاته، وتسلب منه جزء من حريته، وتقدم له وجها من هويته المركبة، نعم فالهوية هى هبة المؤسسة.
قد يكون تركيز المؤسسة على مخرج واحد، فلنقل إنتاج الصلصة مثلا، ولكنها دائما لها مخرجات تمر على كل مستويات المحيط (السياسي، القانوني، الثقافي، الفكري، الاجتماعي الاقتصادي)،  وكذلك في المدخلات وان ركزت على الطماطم واوعية التعليب الا انها في نفس الوقت تستوعب من المحيط مدخلات على كل المستويات وتقوم بمعالجتها.
في كل مؤسسة تراتب للسلطة متطابق مع هيكلها(او مع علاقات السلطة كما يفرضها المحيط)،هذا التراتب متطابق مع علاقات الإنتاج ويحدد نصيب الفرد والجماعة من إنتاج المؤسسة.
المؤسسة الحية والقابلة للتطور هى التي تتحسس المحيط (استخبارات المؤسسة) ومن ثم تحدد طبيعة المدخلات والمعالجة داخل المؤسسة والمخرجات وتقوم بتعديل نفسها أثناء دورتها الإنتاجية.
الاسرة مؤسسة وظيفتها إنتاج أفراد المجتمع بالولادة وإعادة إنتاج ايدولوجيا المجتمع بالتربية.
الطريقة الصوفية مؤسسة، القبيلة مؤسسة، الاحزاب، التعليم، القانون، الشركات، المصانع، الوزارات والمجالس، كلها مؤسسات وبتغييرها من داخلها وتغيير علاقاتها مع بعضها البعض يتغير نظامنا الاقتصادي الاجتماعي.

النظام الاقتصادي الاجتماعي شكله ومحتواه يتحدد بصفات مجموع مؤسساته وتفاعلها مع بعضها البعض، بالعلاقات والتراتب داخل المؤسسات والعلاقات والتراتب بين مؤسسات النظام ككل .
والنظام الاقتصادي الاجتماعي الأمثل هو الذي لايقوم فيه التراتب الا على الجدارة الشخصية لافراده مع التساوي في الفرص بعيدا عن اي تحيزات دينية او عرقية أو هوياتية او ثقافية او اقتصادية، ويقدم لافراده ما يطمحون له من فوائد مادية وثقافية مع اقل قدر من التنازل عن حرياتهم الشخصية.

الجمعة، 18 أغسطس 2017

الانسان البسيط المركب

بالنسبة لي هناك الفكري والعلمي وهناك السياسي وهناك الثقافي وهناك الاحاسيس وهناك ردات الفعل الانعكاسية من التحت الاحاسيس، كلها متداخلة ومتفاعلة وتحقق الانا. اذا كنت كائنا فكريا علميا فقط ساكون باردا ولا انساني، اذا كنت سياسيا فقط  ساتحول لانتهازي يصل لأهدافه حتى لو بالتضحية بقيمه، اذا كنت احتفي بالثقافة فقط فقدت عندي معناها الشامل، وان كنت اتعامل بالاحاسيس والمشاعر فقط تحولت لاهوج متناقض التصرفات ويميل لاطلاق الأحكام.
على مستوى الفكر والعلم يمكن ان اناقش حجج اي شخص حتى عدوي فهذا مستوى بارد لا قيمة فيه لأي انفعال.
على مستوى السياسة يمكن ان اتنازل فيما هو تكتيكي وغير أساسي لأصل لماهو استراتيجي واساسي ولا يتنازل عنه.
على مستوى الثقافي والإبداع فالذائقة الشخصية لها الحكم الأول لذا فلا حكم وتجريم للاخر.
على مستوى الحقوق، على مستوى الاحاسيس والشعور اقول كما قالت اليمامة لمن جاء يصالحها بعد ان قتل اباها كليب  وسألها ما شرطك للصلح؟ فقالت:

أبي .. لا مزيد!

أريد أبي عند بوابة القصر,

فوق حصان الحقيقة,

منتصبا .. من جديد

ولا اطلب المستحيل, ولكنه العدل

الجمعة، 30 يونيو 2017

الحرية ووهم الحرية

الحرية أم القيم والحقوق، تتضمن داخلها كل القيم الأخرى، فمثلاً لو تكلمنا عن الحقوق الإقتصادية والعدالة الإجتماعية، فالفقير ليس حراً فهو مكبل بقيود الفقر، والمضطهد إجتماعياً ليس حرأ فهو محروم من الفرص.
لا يوجد إنسان خارج النظام الإجتماعي الإقتصادي خارج المؤسسات، ولا توجد حرية خارج المؤسسات والنظام مع معرفتنا بان كل المؤسسات والنظم تقيد الحريات، ولذا فالحريات نسبية ومتحركة نحو المطلق وصراع الحرية داخل المؤسسات والنظم لا ينتهي للأبد.
بالرغم من ذلك، اذا أعتقد الإنسان الثائر بأنه بانطلاقه كذئب البراري وحيدا والعواء في وجه كل ما يعتبره قيد هو غاية حرياته فهو مخطئ تماما لأنه بالضبط يتحرك في فضاء سجن المؤسسات القاهرة القمعية في سجن النظام الاقتصادي الاجتماعي ولا يمارس ما يعتبره حريات الا اختلاسا وستنتهي هذه الحالة اما بعيشه وهم الحرية حتى الممات او قمعه وانسجامه مع القطيع.
الحرية سعتها بقدر وسع المؤسسات والنظام الإجتماعي الإقتصادي لها، فإن ضاقت وضاق عنها فلابد من تغيير المؤسسات والنظام، تغيير ثقافتها وعلاقاتها الداخلية وعلاقاتها مع بعضها حتى تتسع للحرية.
لكي تحقق قيم الحقوق والحريات اختراقها لابد من ان تقوم بها مؤسسات تتجاوز قدراتها الفرد وتقوم بإعادة إنتاج نفسها ورؤاها حتى وان مات مؤسسها او تخلى عن حرياته وحقوقه. التمرد والثورة هو ان تغير المؤسسات القائمة وتنشئ مؤسسات جديدة تحتوى على اكبر قدر من الحريات والحقوق.
الحرية نفهمها وحدنا ونمارسها وحدنا ولكن لتتحقق في النظام الاجتماعي الاقتصادي لابد ان نتشابك مع الجميع وتشابكنا هو المؤسسة.

الخميس، 29 يونيو 2017

المثقف الثوري ورؤية التغيير

ايها المثقف: رؤية واهداف التغيير لن ينتجها العمال والمهمشون، بل تخلقها انت وتقنع بها الجماهير ليحققوها معك في الواقع.
الالتصاق بالجماهير ومنهم واليهم ونتعلم منهم ما معناها انو المهمشين حا ينتجوا رؤية وأهداف  وحلول لمشاكل النظام الاجتماعي الاقتصادي، ما لأنهم اغبياء وجهلة السبب لأنهم مطحونين تحت عجلة الحياة اليومية والقهر والقمع وما عندهم ترف وقت فائض للتنظير والتفكير ولا عندهم موارد لنشر ولتحقيق افكارهم، عشان كده الالتصاق بهم بعني توسيع دائرة الشوف عند المثقف البرجوازي وان يقوم قدر الإمكان بدراسة واقع المهمشين وحاجاتهم الآنية وجذور هذه الحاجات حتى يقوم بقيادة المهمشين و يغير النظام ليكون أكثر عدالة.
 هناك من البرجوازيين من يقدمون الطعام للفقراء وهذا حل اني ولكنه غير ثوري، المثقف البرجوازي الثوري يدرس أسباب الفقر ويغير النظام لحل المشكلة في نفس الوقت الذي يتبرع بالطعام، وبهذا فهو لا ينظر للمشكلة من موقعه  كبرجوازي ولكن رؤيته تشمل النظام ككل.
  إنتاج الرؤية والحلول والقيادة هذه ادوارممكنة للمثقف الثوري بما يملكه من ترف الإنفصال عن رهق وعنت الحوجات اليومية وبما يملكه من وقت للتفكير والتنظير، وهذا غير متاح للمهمش في المجمل .
 معظم البرجوازيين المشتغلين بالهم العام بي يشوفوا مشاكل المهمشين من موقعهم ولا يبذلون جهدا لدراسة واقع المهمشين وجذور احتياجاتهم الفعلية، هنالك ايضاً من يهاجمون المساعدات  التي تخفف من المشاكل انيا ولا تحلها من الجذور، في اعتقادهم ان استحكام الازمات بي يخلي المهمشين يثوروا، استحكام الازمات فقط يزيد من عدد المهمشين والمطحونين ويبعد مجموعات اكثر عن دائرة التنظير والفعل ويقود لمزيد من الفشل، لذلك المطلوب المساعدة والتعاطف الاني وفي نفس الوقت العمل على حل جذور مشاكل النظام الاقتصادي الاجتماعي.
  المهمشين مطحونين في اليومي ولا يملكون ترف التحليل والتركيب وإنتاج الرؤى والموارد اللازمة لإنجاز هذه الرؤية والتفرغ لقيادة الجماهير لانجازها. بالطبع الدور تكاملي، بدراسة الواقع كاملا وتحديدا الواقع الاجتماعي للمهمشين ينجز المثقف الثوري رؤيته وعندما يمتلكها المهمشون يدعمونها ويحققونها مع البرجوازي المثقف الثوري في الواقع.

الخميس، 25 مايو 2017

جماعات التكفير والهجرة اليسارية

                  التغيير في تجسده المادي هو تغيير أهداف وهيكل المؤسسات وطريقة التفكير السائدة فيها ، تغيير علاقاتها مع بعضها البعض بحيث تتغيراهداف وهيكل وطريقة التفكير في النظام ككل وتغيير طريقة حركته لتحقيق هذه الأهداف. 

السؤال هنا هو: كيف نغير مؤسسات النظام الإقتصادي الإجتماعي؟

 والإجابة هى بالإشتباك المباشر معها والضغط عليها بتوجيه اسئلة الحقوق والحريات يومياً للمؤسسات المختلفة. ولكي يكون التغيير شاملاً لابد من أن تكون المسآئلة شاملة لكل المؤسسات من كل حسب موقعه وحسب إهتمامامته وقدراته.

الندوات السياسية، المظاهرات، الكتابة على الحوائط، البيانات، الكتابة على الوسائط، المخاطبات في الشوارع لها دور في إيضاح طغيان وقهر السلطة وتبيان ملامح البديل  وزحزحة طريقة التفكير السائدة عن موقعها. لكن إن لم يكن هناك جدل واشتباك يومي مع المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية يحاول أن يوظف هذه الخطابات لحركة فعلية في الواقع ويستفيد من تراجعات السلطة عن أي مساحة ليحتلها العمل المدني الدؤوب والمنظم الساعي للتغيير، إن لم يكن هناك إنتصارات يومية صغيرة في مؤسسة الأسرة، اللجنة الشعبية، القبيلة، الطريقة الصوفية، الحزب، المنظمة، مؤسسات القطاع الخاص ، مؤسسات الثقافة والتعليم والقانون والقضاء والجيش والشرطة والأمن، إن لم تكن هناك إنتصارات صغيرة في التعامل والإشتباك مع هذه المؤسسات تقود لتغيير هذه المؤسسات شيئاً فشيئاً وتحول دور مراكز السلطة في المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية من المهيمن للمدافع والمبرر والمتراجع عن سياساته، إن لم يكن هذا ستكون مساحة الهتاف والكلام والكتابة أداة للنظام لإظهار تسامحه وإخفاء نهبه وقمعه المادي الحقيقي، وستتحول لطقس تطهري للناشطين في التغيير يعمدهم كمناضلين في مساحة لا تفيد إلا في تنفيس القهر والكبت ولكنها لا تغير شيئاً.

قال حسن موسى في في تناوله لقضية محمد صالح الدسوقي:
(أما وجه "الحماقة" [ و عفوكم حتى أجد عبارة أفضل من " الحماقة" ]، فهو في كون الدسوقي ، في سورة حماسه البطولي: غفل عن كون مخاطبته لسلطات المحكمة الشرعية تتضمن إعترافا يزكي إنتحالهم الجائر لسلطات خولتها لهم قوى سياسية [ وطنية و دولية] لا تتمتع بأي سند سياسي أو حقوقي أو أخلاقي بخلاف سند القوة الغاشمة.)مقال حسن موسى

عندما أمر بمثل هذه الآراء تمر بخاطري افكار سيد قطب في إعتزال المجتمع الجاهلي وتطبيق جماعات التكفير والهجرة لهذه الأفكار ببناء المجتمع المؤمن المعزول والهجوم وتحطيم أسس مجتمعات الكفر والطاغوت، الفرق ان جماعات التكفير والهجرة هذه المرة هى الأحزاب والجماعات اليسارية في اعتزالها ما يسمى بالعمل القانوني في مسائلة ومفاوضة ومساومة مؤسسات الدولة.
إن شعار إعتزال السلطة الجائرة هو شعار مضحك للغاية، فبما أنها سلطة وتتحكم في كل مؤسسات النظام الإقتصادي الإجتماعي فأنت لست فقط مضطراً للتعامل معها بسلطة الواقع، ولكنها ايضاً تهجم عليك في اعتزالك وتشكله لك على مقاسها  وترغمك يومياً على تلقي ضرباتها والإنعزال اكثر، بل وحتى إن كنت مهاجراً وتأتي فقط لزيارة اهلك بين الفينة والفينة فأنت مضطر لتقديم جوازك (الأجنبي) لسلطة الواقع لتختمه لك وتضطرك للتسجيل كأجنبي وتدفع غرامة إن لم تسجل.

إذا كنت مضطراً للإعتراف بهذه السلطة من موقف المذعن للقمع والنهب والقهر، فكيف تستنكر مسآئلة مؤسسات هذه السلطة عن حقوقك من موقع القوي المهاجم؟!!

نعم إن الإشتباك مع المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية المختلفة بمطالبتها بالحقوق والحريات والدخول في انتخاباتها وبمطالبتها بتحسين سياساتها واجرآاتها وبمطالبتها بتطبيق القوانين والعدالة من مستوى الحلة والفريق لأعلى مستوى هو تفاوض ومساومات مستمرة، تفاوض بالجسد وتفاوض بالرؤى والحجج، إنها اقرب لرقصة فروسية بين خصمين يقفان متواجهين ملتحمين متدافعين، كلما تراجع احدهما خطوة وضع الآخر قدمه مكانها، والفرق بين المساومة والإنتهازية هو الإتجاه الذي يقفه ناشط ومؤسسة التغيير في مواجهة أم مع السلطة في هذه الرقصة.
الشعارات الكبيرة، الشعارات البراقه الجاذبة مثل العصيان المدني الشامل، الثورة الشاملة لاتنفجرمن احلام الثوريين ونشطاء التغيير ومؤسساتهم ، وإنما تنبت وتتبرعم في الحواري والأحياء والأسواق وسط الناس ومكابدتهم لحقوقهم البسيطة، في مسائلة اللجنة الشعبية عن النظافة وتصريف مياه الأمطار، مسائلة النظام الصحي عن العلاج، مسائلة القانون عن جلد البنات ومطاردة ستات الشاي، مسائلة ذوي الرؤى المختلفة وذوي الدين المختلف للمؤسسات عن حرية العقيدة، مسائلة المؤسسات عن تشغيل العاطلين،  سؤال كل فرد عن حقه في الحياة اولا ومعها حقه في الماء والطعام والعلاج والعمل والسكن والحرية. 
حينما يشتبك ناشطي التغيير ومؤسساتهم مع المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية من اصغر المؤسسات في الحلة والفريق لأكبرها  على مستوى الدولة في هذه المسائلة والمفاوضة والمساومة اليومية والمستمرة، في هذه الرقصة الملحمية التي قد تتراجع فيها الخطوات وتلتف ولكنها لا تغير وجهتها النهائية، حينها ستبدأ شروط التغيير الشامل في التراكم والتحقق.