الخميس، 28 مايو، 2015

طريقة التفكير (الأيدولوجيا)

البي يحدد موقعك الطبقي هو موقعك في علاقات الإنتاج، وموقعك في علاقات الإنتاج بي يتحدد بي حصتك من فائض الإنتاج،وتقسيم الحصص دي بي يتم على مستوى المجتمع كلو.
وشكل علاقات الإنتاج هو البي يحدد شكل العلاقات في المجتمع، وين مراكز السلطة، ووين باقي الطبقات والعلاقات بيناتم شكلها شنو.
الإنتاج عشان يتحقق بي يحتاج لي وسائل الإنتاج من مواد خام، أدوات إنتاخ، وعمال وموظفين وهلمجرا.
لكن قبل كل دا الإنتاج بي يحتاج لي طريقة تفكير (أيدولوجيا، وعي) يحدد لي كل زول دورو ويخليهو مقتنع بيهو في العملية الإنتاجية.
العامل عشان يعمل، والزارع عشان يزرع ، والراعي عشان يرعى، والموظف عشان يشتغل،والمهندس عشان يهندس، والمدير عشان يدير، وصاحب المال عشان يربح، محتاجين لي طريقة تفكير تحدد ليهم أدوارهم ،تبرر ليهم ادوارهم بل وتخليهم فخورين ومدافعين عن الأدوار دي.
إذا كانت وسائل الإنتاج ضرورية لإنتاج الإنتاج، فطريقة التفكير(الأيدولوجيا، الوعي) ضرورية جداً لإعادة إنتاج الإنتاج.
طريقة التفكيرالسائدة بي يتم إنتاجها من مراكز السلطة في المجتمعات، ووظيفتها زي ما قلتا إعادة إنتاج الإنتاج، يعني إعادة إنتاج المجتمع بشكل علاقاته القائمة الآن أو باحسن منها ولمصلحة مراكز السلطة في المجتمع.
طريقة التفكير بي يتم زراعتها إبتداءاً من الأسرة، والتعليم، والمجتمع ،ووسائل الإعلام، والكتب والصحف، وأحاديث رموز المجتمع.
إذا تدمرت وسائل الإنتاج، المصانع، البنية التحتية ..الوسائل المادية لمجتمع ما عموماً فإنه قادر تماماً، ولن يفعل غير أن يعيد إنتاج نفسه وعلاقاته إنطلاقاً من طريقة التفكير فيه، بمعنى أن مجتمعاً ديمقراطياً إذا تدمر بفعل الحرب فإن الناجين منه لن يعيدون بناء مجتمعهم إلا على النسق الديمقراطي، إنطلاقاً من طريقة تفكيرهم.
ولذا التغيير يبدأ من طريقة التفكير، والتغيير هو تغيير طريقة التفكير
صحيح أن هناك علاقة جدلية بين درجة التطور المادي لمجتمعٍ ما وطريقة التفكير فيه. وصحيح أن التغيير في طريقة التفكير والواقع المادي يتبادلان التأثير. ولكني أشدد هنا على ما يهمله المنظرون:
التغيير هو تغيير طريقة التفكيرالسائدة لإعادة إنتاج مجتمعنا على نسق ديمقراطي يراعي الحقوق والحريات.
مرجع : التوسير، الايدولوجيا والادوات الأيدلوجية للدولة

الأربعاء، 27 مايو، 2015

وماذا نفعل مع النضال المسلح ؟!!

طيب قلتا إنو النظام أي نظام عنده نوعين من أدوات القمع: أدوات القمع الباطش زي الشرطة والأمن والجيش، وأدوات القمع الناعم ودي بي تتمثل في طريقة التفكير السائدة وما تنتجه من وعي (رؤى، تصورات ومفاهيم وقيم وأخلاق ..الخ).
أدوات القمع الناعم (طريقة التفكير السائدة ومنتجاتها) يتم صيانتها وإعادة إنتاجها وترسيخها في المجتمعات عن طريق ما تعيد إنتاجه على الأرض من مؤسسات تربوية وتعليمية وقانونية .. الخ.
أدوات القمع الباطش (الأدوات العسكرية) يتم إستخدامها إما عندما يحاول النظام تنقية نفسه من أقلية مارقة على قيمه ورؤاه وتصوراته بإعتبار أن هذه الأقلية تمثل تهديداً له في المستقبل البعيد
وفي نفس الوقت فأن طريقة التفكير السائدة تضبط بقية المجتمع ليقف ضد هذه الأقلية، وإما عندما تعجز طريقة التفكير السائدة عن توفير شرعية للنظام تسمح له أن يستمر
وعندها تضطر مراكز السلطة في النظام لإستخدام أدوات القمع الباطش بما أن أدوات القمع الناعم لم تعد ذات فائدة.
إذن الوظيفة الرئيسية لأدوات القمع الباطش هي حراسة طريقة التفكير السائدة ومنتجاتها والعمل كأمتداد لها في حالة الضرورة والتهديد.
بما أن النظام الإجتماعي الإقتصادي إنما يعيد إنتاج وصيانة نفسه عن طريق إعادة إنتاج طريقة التفكير السائدة فيه كمؤسسات على الأرض، ولذا لهزيمة (تغيير، تطور) النظام الإجتماعي الإقتصادي لابد للجماعات الساعية للتغير أن تنتج طريقتها الجديدة للتفكير وأن تستخدمها لبناء مؤسساتها الجديدة في الواقع الإجتماعي الإقتصادي ، مؤسساتها للقمع الناعم ،مؤسساتها للتربية والتعليم والقانون والأخلاق والرؤى الدينية لحراسة وصيانة وإعادة إنتاج طريقة التفكير الجديدة.
وما موقع الكفاح المسلح هنا؟!!
فقط أقول أن هزيمة ادوات القمع الباطش للنظام، هزيمة أدواته العسكرية لا تكفي (أبداً) لإقامة نظام جديد، لانه كما اسلفت القول، إذا لم تتغير طريقة التفكير السائدة في النظام المهزوم عسكرياً من قبل الثائرين عليه (إفتراضاً)، إذا لم يقم الثوار (المفترضين) بالمساهمة مع المجتمعات في بناء طريقة تفكير جديدة لها مؤسسات جديدة،
وهذا بالتوازي مع تغيير المؤسسات التقليدية القائمة من قبائل وطرق صوفية وتنظيمات عشائرية،  إذا لم يقوموا بزرع التغيير داخل المؤسسات التقليدية وحث أتباعها أن يغيروها من داخلها، فإن طريقة التفكير السائدة في النظام تهدد وستقوم بإعادة إنتاج نفس النظام كما كان او أحسن، وما سيتغير فقط هو (أدوات القمع الباطش).
كلامي هنا وتحليلي يتوجه لحركات الهامش، التي إفترض نظرياً أنها سبيكة إجتماعية خلفها لنا الإستعمار، تتكون هذه السبيكة من مؤسسات إقطاعية يتحكم فيها البرجوازيين (سكان المدن، أبناء الحداثة الإستعمارية، أرستقراطيي الإقطاع ،أبناء شيوخ القبائل والطوائف سابقاً) والذي لا يختلف البتة عن النظام الإقتصادي الإجتماعي في الدولة ككل. إن أرادت هذه الحركات القيام بتغيير حقيقي وبناء نظام جديد ، فعليها العمل (مع) الجماهير على الأرض، لكي تبني المجتمعات طريقة تفكيرها الجديدة رؤاها ومفاهيمها واخلاقها ومؤسساتها الجديدة وتغيير المؤسسات القائمة (لا أن تفرض عليها من الزعامات التاريخية المعصومة)، وإلا فأن هذه الحركات تجازف بإعادة إنتاج نفس النظام الذي تحاربه.

صورة الإله في العلاقات الإقتصادية الإجتماعية

"هاك أنبيائك سالمين
وأنزل ... مسافة تهبشك غنية
واناولك كاس"
عاطف خيري


في هذا المقطع من قصيدة "سيناريو اليابسة" يقارب الشاعر فكرة محو شعب من قبل الخالق بناءاً على عصيانهم له، ويحتج على الصورة المرسومة للإله في الأديان الإبراهيمية ويطالب برب حميم، يشارك الإنسان محنته الوجودية ،إله لا يعتبر الإيمان أو الإلحاد، الخطأ والصواب، الحسنة والمعصية معياراً ليتعاطف مع البشر.
ما أريد أن أشاركه الناس هنا، أنه وبغض النظر عن معرفة وعلم المتدينيين أو عدم معرفتهم فأن تصوراتهم الدينية لها علاقة بوجودهم الدنيوي وبل يؤثر ذلك التصور على المؤسسات الدنيوية ويغيرها.
إن التصورات التي تشمل إلهاً يصدر عدد من الأوامر والنواهي ويطالب العابدين بإتباعها غض النظر عن فهمهم لحكمة مشروعيتها، ومن ثم يعاقب العاصين والخارجين على هذه الأوامر والنواهي بعقوبات قد تتسبب في إنهاء حياتهم التي خلقها فيصيروا خارج زمرة الأحياء الذين يعملون لربهم سواء بعصيانه او طاعته، إن هذه التصورات تجد صداها وتطبيقاتها في حياة المجتمعات فتجد إنعكاس صورة هذا الإله في (الأب) ، (وشيخ) الطريقة، و(زعيم) الحزب و(رئيس) الدولة الذي يؤمر فيطاع وإلا فإنتظر عقاباً وحشياً بالضرب أو النبذ خارج الدائرة أو حتى بالقتل.
تسود هذه التصورات عندنا منذ بد ايات الإقطاع السوداني وحتى الآن، وتؤثر في التربية والتعليم، في السياسة وفي الإقتصاد، وفي حقوق وحريات الأفراد والمجتمعات.في المقابل فإن تصورات عن إله محب ورحيم، يقف مع المؤمنين به وغير المؤمنين في كل الأحوال ويفسح لهم مجالاً للإختيار والحرية الغير مشروطة بداهة يقابله مجتمع الحريات والحقوق والديمقراطية.
صدق أو لا تصدق، ولكن تصوراتك عن الإله وتصوراتك عن الدين تساهم في تشكيل المجتمع : نحو الحرية والإنعتاق، أو نحو الكبت والإنغلاق.
رأيي من خارج الأديان بخصوص الأديان هو: إن العقائد والأديان هي إستجابة لأسئلة وجودية عميقة بدأت مع بزوغ فجر المجتمعات الإنسانية وستظل هذه الأسئلة موجودة ما دام الإنسان، وأن قدرة العقل الإنساني على التأويل لتجاوز أثر سياقات تاريخية في انتاج الخطاب الديني السائد لإنتاج خطاب معاصر لدين معين لا يحدها حدود. ولذا لن تنقرض الأديان ولكن بالتأكيد ستتغير رؤاها وتأويلها.ولذا لا يهمني أن يلحد السودانيين، ولا إعتقد بأن إلحاد السودانيين سيحل أزمات السودان. في إعتقادي أن ما سيحل أزمات السودان أن تنتج رؤى جديدة بواسطة نخب الأديان والعقائد المختلفة بمن فيهم الملحدين، رؤى متسامحة تتقبل الأخر وتستبطن الديمقراطية والحريات والحقوق.


وربما يقوم المؤمنين في السودان من مسلمين ومسيحيين وأصحاب ديانات سودانية وغيرهم ، ببناء تصوراتهم عن الإله التي ستتطابق مع ما يطمح له السودانيين من إنسانية و(حرية) وإخاء وعدالة.

الثلاثاء، 26 مايو، 2015

دولة مابعد الإستعمار : أهداف ورؤى التغيير

مشكلة النظام الإقتصادي - الإجتماعي في السودان، أنه ومنذ الإستقلال وبعد أن تبينت عوراته، وهى ببساطة : 
عجز النظام عن أن يلبي حوجات السودانيين والسودانيات في ادارة الموارد وتوزيعها بكفاءة وفي العيش بكرامة وحرية ومساواة.
  بعد أن تبينت عورات النظام صارت مراكز القوى فيه تتناوب الصراع والإمساك  بالسلطة بزعم (وربما بنية خالصة) لإنقاذ النظام الإقتصادي-الإجتماعي من الإنهيار، في ظل هذا التناوب والتصارع جوهر مؤسسات البلد الإجتماعية الإقتصادية يظل كما هو (شكلياً مؤسسات حديثة، تسيطر عليها طريقة التفكير السلفية الأبوية العنصرية وتديرها عقلية الأب/ الشيخ/ الزعيم الملهم / إبن الأصول الذي لا لا رأي غير رايه) بل وتغدو المؤسسات أكثر فشلاً، ويا للغرابة تسعى القوى الحية في المجتمع مع (القوى المسيطرة إجتماعياً ومزاحة من السلطة) لكي تستعاد الديمقراطية .. ولكي يستعاد الفشل.
فإستعادة الديمقراطية هنا لا تعني في الحقيقة غير:
إستعادة النظام الخرب المشوه الذي خلفه لنا الإستعمار

بطوائفه وزعماءه، بطبقته الوسطى المترددة التي تستقوى إما بالسلطة السياسية للدولة او بسلطة الشيوخ والزعماء الإجتماعية.

النظام نظام بمراكز سيطرته وبمراكز المقاومة فيه في وحدة واحدة.... بجلاديه وبالمعذبين فيه في وحدة واحدة.... بطريقة التفكير السائدة فيه ..وطرق التفكير المسودة فيه في وحدة واحدة... إلى أن يتم التجاوز والإختراق لي تركيبة يولد فيها الجديد ويفنى من القديم شئ ويبقى منه شئ ولكن في سياق جديد..
 النظام الإقتصادي الإجتماعي عاجز ومنذ الإستقلال وحتى الآن عن إنجاز هذا التجاوز... لان ألهدف الذي يشتغل عليه دايماً هو إنجاز الديمقراطية الشكلية وهي ليست كافية لإنتشال النظام الإجتماعي الإقتصادي من أزماته . القوى الحية في المجتمع لم تتنازل شبراً ولم تتراجع في تضحياتها ولكنها تستنفذ نفسها في إنجاز التغيير الشكلي في حين أن المشكلة الحقيقية تكمن في قاع النظام الإقتصادي وتجره نحو الأسفل.
المشكلة ليست كفاءة القوى التي تريد التغيير

المشكلة في أهداف ورؤية التغيير فهي دون الحد الأدنى لحل أزمة النظام الإقتصادي الإجتماعي،ولذا نعود لنفس الدائرة ، لنفس الحلقة الشريرة من جديد.
أننا مثل من يحمل صخرة ويحملها بمشقة وتعب وعبر الأشواك والهوائم والسوائم ومنحدارت ومهاوي مهلكة ليضعها لا على قمة الجبل (الأهداف) كما هو مفترض ولكن على مسافةٍ منها، ومن ثم تتدحرج الصخرة للسفح ويعاود السودانيين والسودانيات رحلة عذابهم من جديد.
نحتاج لقادة رؤاهم أوسع ينبهوننا لقمة الجبل، ويحملون معنا الصخرة ويصلون معنا لأهدافنا الكافية حتى لا تتدحرج الصخرة.
لابد من من أن تضع القوى الحية في المجتمع رؤى واهداف جذرية وتراهن عليها وتدفع كلفتها حتى نرى تغييراً حقيقياً.


رواد التغيير وهم يثبتون عيونهم على الأهداف الجذرية الإستراتيجية ويبقون حركة الجماهير مرتبطة بها، في نفس الوقت يتحركون مع الجماهير لخوض المعارك التكتيكية برؤى منسجمة مع الرؤية الإستراتيجية. خوض المعارك التكتيكية فقط دون التركيز على أهداف التغيير الجذرية يحول مؤسسات التغيير لمؤسسات تشابه ماهو موجود وشائه في المجتمع، والإنشغال بالرؤية الكلية فقط يجعل المسافة بين الجماهير والقادة بعيدة. لذا المعركة هى بين الإثنين، خوض المعارك اليومية مع التمسك والتبشير برؤية واهداف التغيير الكلية.
أنا أرى هذه الأهداف في : التحول من دولة ما بعد الإستعمار إلى دولة الحداثة، من دولة تختلط فيها مؤسسات الإقطاع مع مؤسسات الحداثة، وعقل الإقطاع مع عقل الحداثة، التحول  لدولة العلمانية الديمقراطية، دولة المؤسسات الحديثة، دولة الإقتصاد الرأسمالي المختلط، دولة الضمان الإجتماعي في مواجهة الفقر، الجوع، العطش والمرض، دولة المواطنة، دولة الحقوق والحريات، دولة الفيدرالية.
لابد من أن يظهر قادة حقيقيين مكتملي الخيال
قادرين على وضع رؤى واهداف تتجاوز ماهو موجود 
منذ الإستقلال وحتى الأن
قادة يجيدون المساومة جداً ... ولا يساومون أبداً (فيما هو مبدئي).

الاثنين، 25 مايو، 2015

إكتمال


حكمة أخطائي الفادحة وأنا أدلف للخمسين
خياراتى التي إنزوت لأكبر كَرَجُلٍ مسئول.
غالية خبرتي ولكن سوقها كاسد
عند الرجال الصغار الذين يكبرون.


مذ رميته وانا واقف على كوبري امدرمان القديم
في مساءٍ أشبه بلعبة الطرة والكتابة
إبتلعته المياه وهو قانطُ
إذ لا كراهية أو محبة عندي
فقط لا مبالاة مشتتة كالشفق 
ولكن بلونٍ محايد.


لم يعد شعر جلدي يقف 
عند ولوج المعمى
ولا تطعنني المسامير في حلقي
من الفجاءة
والشرارات لا تنبعث
من توقع إبتسام الحبيب.


ما رميته كان أنا
كان أحتمالي
بعد ما ظننت إنه إكتمالي 
وإنعدام الإحتمالات.

خـــــــــروج

    الفونجاويات في مجلسهن،
    أمي عاكفة على الكانون،
    سليلات الآلهة لا ينشغلن بالدنيوي،
    يشربن القهوة بنكهة النميمة الملكية على كل حال.
    ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
    أبى يختلس حياتنا 
    مما غفل عنه الأرابيب والمكوك،
    يدسه في الكرنق الهامشي،
    يدسنا في الكرنق الهامشي،
    يدسنا في الحياة.
    ،،،،،،،،،،،،
    لم يختبر قرآءة الغيوم والشجر،
    ولا أفرغ القطب في قلبه المعارف 
    والنسب الهاشمي،
    ولا أنشغل بالتجارة 
    عن ساقيته الأبدية.
    تربال ، يعبئ دمه في القواديس،
    ماينمو في الأحواض والتقانت،
    ينتهبه الاسياد في التقاة ،
    وما بقى للبصير والفقير والصمد.
    ،،،،،،،،،،،،،،،،،
    مُهملين من أولاد الإصول،
    في هامش لا تتناوبه الشمس والظل،
    حجابات الفكي لا تترصد من لا يُرى،
    متخففين من العادة والعرف ،
    خرجنا

عاش نضال الطبقة البرجوازية !!!

واحدة من اكبر المشاكل ومشكلة غميسة جداً والناس بي يتعاملوا معاها كبديهية هي:(الطبقة العاملة هى التي ستقود التغيير في السودان). والمابقول الطبقة العاملة بي يستبدلها بي (المفهورين والمسحوقين والمهمشين).
نحنا ما عندنا إقتصاد رأسمالي، عندنا آلة إسمها الدولة الحديثة لكن مدورة بي ثقافة شبه الإقطاع. ممكن تكتشف الحاجة دي بي بساطة (في أي مدينة سودانية قارن بين أسماء أصحاب الأعمال وبين شيوخ الطائفيين وأحفاد شيوخ القبائل وأبناء السادة في القبيلة قديماً تلفاها بي تتطابق).
أها المرحلة دي مرحلة إكمال التطور وخلق إقتصاد رأسمالي حقيقي ونفي وعي الإقطاع وسيادة الوعي اللبرالي(الحقوق والحريات).
الطبقة التي ستقود التغيير هى طبقة عندها من الترف ما يتيح لها وقت للإبداع والتنظير لإنتاج طريقة تفكير بديلة، وفي نفس الوقت لها من المصالح والوعي ما يتعارض جذرياً مع طريقة التفكير السائدة، الحاجتين ديل متوفرات في رأيي عند الطبقة البرجوازية.
  في السودان نحتاج الآن إلى إقتصاد رأسمالي حقيقي و (معقلن) يحتوى على ضمانات إجتماعية كبيرة، نحتاج لدولة ديمقراطية علمانية ومجتمع ليبرالي، نحتاج لتعليم حديث مجاني ونظام صحي فعال ومجاني، نحتاج لأسرة تربى أطفالها على الديمقراطية والإبداع. نحتاج لرؤى دينية حديثة تخاطب الإنسان والإنسانية.
نحتاج لشيوع التفكير النقدي وإحترام الخلاقين والمبدعين من أبناء بلادي وتشجيع المبادرين .كل ما ذكر أعلاه المهتم والمهموم به ويصب في مصلحته هو الطبقة البرجوازية (من يمتلكون وسائل إنتاجهم، أو أصحاب الأدوار الذهنية أو الإدارية في العملية الإنتاجية، سكان الحضر،).
من الممكن ويجب على هذه الطبقة ان تتحالف مع الطبقة العاملة والمهمشين والمسحوقين لإنجاز هذه المهام، ولكن يجب ان نعرف ونعلن أن الطبفة العاملة في السودان ضعيفة وفي طور النمو (لم تتشكل تماماً).
في السودان البرجوازية (من يمتلكون وسائل إنتاجهم، أو أصحاب الأدوار الذهنية أو الإدارية في العملية الإنتاجية، سكان الحضر،) مقسمون تقسيماً كبيراً. قسم منهم يتحالف منذ الإستعمار مع الطائفيين والقبليين ويمسك بالسلطة معهم ولازالوا برغم تغير العهود والحكومات.
وأقسام منهم موزعة على القوى الحديثة (والتي ويا للعجب تهاجمهم في برامجها !!) والقسم الأعظم لا يقرب السياسة إلا إذا (هبشت) لقمة عيشه(براغماتيين).
طيب الناس ديل هم أصحاب المصلحة الحقيقية والأعظم في التغيير، فمن الذي يتوجه لهم بخطابه؟ ومن
ينظمهم؟ ومن ينتج لهم خطاب وثقافة التغيير؟

الطبقة البرجوازية هى التي ستنتج طريقة التفكير الجديدة، هى التي ستعمم القيم اللبرالية
هى التي ستقود تحالف الطبقات الذي سيغير المجتمعات السودانية
هى التي ستقود التغيير.
من مصلحة الطبقة البرجوازية على المستوى الإقتصادي إبعاد التحيزات الدينية والقبلية والطائفية عن الإقتصاد ليعود التنافس حراً ويفوز الأكثر إبداعاً في التخطيط والإدارة والإبتكار. ومن مصلحتهم أن يكون هناك عمال (محترفين) ومدربين وغير مربوطين بالتحيزات الدينية والقبلية والطائفية لكي تكون هناك منافسة حرة في بيع قوة عمل العامل. ومن مصلحتهم أن يكون هناك دستور وقوانين تعبر عن هذه المفاهيم وسياسات ولوائح وإجراءات مبنية على حوجات المجتمعات السودانية وليس على حوجة الشريحة الطفيلية من البرجوازية (المستقوية بالدين والعرق والطائفة).
من مصلحة الطبقة البرجوازية تعميم البنيات الأساسية من طرق وجسور وكهرباء وتعليم حديث ونظام صحي ، عندها سيكبر السوق ويدخل فيه فاعلين إقتصاديين ومستهلكين كانوا خارج السوق وتتعدد وتكبر فرص الإستثمار .

هناك شريحة من البرجوازية النهمة والجشعة والتي تستسهل العمل في قطاع الخدمات (رأس المال المالي، راس المال العقاري،..الخ الخ، السمسرة ، تجارة العملة وحتى غسيل الأموال) ، هذه الشريحة ومنذ الإستقلال تتحالف مع بقايا القبليين والطائفيين وتستقوي بالدولة بجماركها وضرائبها وإعفاءاتها على باقي التجار والصناعيين والزراعيين ..الخ. يجب أن تدرك البرجوازية أن مصلحتها تكمن في سوق رأسمالي منظم، وأن الشريحة الشرهة من البرجوازية وبمعاونة بقايا القبليين والطائفيين لن تكتفي بخم البيض ولكنها ستقتل الدجاجة أثناء ذلك.

على مستوى الوعي الطبقة البرجوازية هى منتجة طريقة التفكير النقدية الديمقراطية العلمانية اللبرالية ولذا هى مهتمة ومسئولة عن تغيير طريقة التفكير الدينية الوصائية الأبوية في المجتمع وعن التغيير السياسي لدولة ديمقراطية علمانية.
لإنجاز مشروعها يجب أن تتحالف الطبقة البرجوازية مع الطبقة العاملة ومع (أحفاد العبيد ) ومع المجموعات السودانية المهمشة ومع الجماعات ذات الرؤى الدينية المتسامحة ومع المجموعات المختلفة دينياً لحل مشاكل القهر الإقتصادي والقهر العنصري والقهر الديني ولتكوين دولة الحقوق والحريات.
الفرضيات الأساسية في تحليلي هي: دولة المهدية في السودان تمثل إكتمال دولة شبه الإقطاع في السودان (1) لم تُترك (المنظومة) الإقتصادية الإجتماعية المحلية لتتطور تطوراً طبيعياً وهجم عليها الإستعمار ومثل فطعاً لتاريخنا الإجتماعي الإقتصادي.
(2) هذا القطع كون هجيناً مسخاً بين نظامين في الأصل هما ينفيان احدهما الآخر، شبه الإقطاع والنظام الرأسمالي ، وهذا واقع تركيبي لم يدرسه ماركس.
(3) الإستعمار بالطبع لم يقم بنشر الإستنارة والوعي والديمقراطية وإنما أتي للنهب ولهذا قام بتركيب الدولة السودانية على المنظومة الإجتماعية الإقتصادية القائمة (من شيوخ قبائل وزعماء طائفية وأرابيب).
(4) كمنتج ثانوي لتتنظيم علاقات الإنتاج بشكل رأسمالي وللتعليم الحديث وللحضر الذي أنشأه الإستعمار ولتحرير العبيد تكونت طبقة برجوازية جنينية مدعومة بمجموعة التجار من نظام شبه الإقطاع.
(5) فؤجى الإستعمار بالتطلعات الوطنية العارمة لهذه الطبقة الجنينية والتي ظهرت كأوضح ما يكون في ثورة 1924 وخاب أمله في أن تكون تابعة له عملياً وفي طريقة التفكير، فقام بقمعهم وقهرهم وإستبدالهم بزعماء الطرق الصوفية وزعماء القبائل  (مراكز السلطة في الإقطاع).
(6) لإحساسهم بالضعف وسيطرة الطائفيين وأتباعهم على المجتمعات السودانية تحالفت شريحة مقدرة من البرجوازية معهم.
(7) الصراع منذ ذلك الوقت وحتى الآن هو ملخص للصراع بين البرجوازية في مواجهةالقوى القديمة والشريحة البرجوازية الطفيلية المتحالفة معها، تنغلق الديمقراطية نتيجة للتحيزات الدينية والعرقية والإقتصادية فتقوم البرجوازية من (يسار ويمين) لحلمها بإستخدام سلطة الدولة لتغيير المجتمع (بالإنقلاب على الديمقراطية) ولكنها يتم تغييرها (عن وعي أو عن غير وعي) بواسطة الوعي السائد (فالوعي السائد يعيد إنتاج علاقات السيادة والتبعية مادياً على الأرض) فتزحف زحفاً للتعاون مع الطائفيين والأعيان وشيوخ القبائل (القبيلة هنا وحدة شبه إقطاع). ومن ثم نرجع لنفس المربع برجوازية شرهة متحالفة مع القوى القديمة وبرجوازية ساخطة تريد تشكيل الدولة الحديثة وقوى أخرى مهمشة بشكل أو أخر وتستمر الحلقة الشريرة..

الحل في رأيي يتضمن الآتي:
1- العمل على تثوير وتجاوز المؤسسات القديمة، القبيلة والطائفة الدينية بدعم منتسبيها لقيادة الصراع داخلها، هذا مع تضمين هذه المؤسسات ضمن مؤسسات الدولة، لانها الآن تتحرك في فضاء لا تمتد له يد الدولة، وفي نفس الوقت لها من السلطات ما يقابل سلطات الدولة.
2- تكوين مؤسسات ومراكز دائمة لنشر الوعي الديمقراطي اللبرالي (الحريات والحقوق) تكون مرتبطة بالناس في حلالهم وأحيائهم وفرقانهم (زي تجربة الأندية) والنقابات والإتحادات ومنظمات العمل المدني ولجان الأحياء.
3- التمسك بالديمقراطية مهما حاولت القوى القديمة والقوى المتحالفة معها تشويهها وتجييرها لمصلحتهم.
4- تكوين تحالفات إستراتيجية مع الطبقة العاملة والمهمومين بالتغيير في المجتمعات القبلية والعشائرية ومجموعات المهمشين والمسحوقين تحت قهر القوى القديمة والبرجوازية الشرهة المتحالفة معها.

انا مع دستور ديمقراطي علماني

سؤال :ماهو ما يجمعنا في السودان؟ 
الإجابة: الجنسية السودانية ما يجمعنا *.

ليس الدين حتي ولو كنا كلنا مسلمين، وليس العرق حتي ولو كلنا من الفور مثلا". ما يجمعنا هو الوطن. إذا كنا نريد دستورا" للسودان ،فيجب أن يكون الدستور لكل السودانيين لا يفرق بين مواطن/ة وآخر علي أساس ديني إو عرقي أو نوعي.
 الحقوق والواجبات في الدستور يجب أن تتأسس علي أساس (المواطنة) لا علي أساس الدين أو العرق أو النوع.
صاحب/ة الدين المحلي سوداني المسيحي سوداني المؤمن/ة سوداني الملحد سوداني والفي شك مقيم برضو سوداني.
الصوفي والسلفي والشيعي والمسلم ساكت كدا من غير إسم كلهم سودانيون/ات ، وهذا ما يتفقون فيه وعليه تترتب واجباتهم وحقوقهم.
ما ذنب السوداني من دين مختلف أو رؤية دينية مختلفة لكي تفرض عليه دستورا" من دين غير دينه او من رؤية دينية غير رؤيته . حقوق المواطنة ثابته ولا تتأسس بالأغلبية بل بالجنسية. لكل مواطن سوداني الحق في دستور لا يعتبره دخيلا" وشاذا" في وطنه.
 أنا ديمقراطي علماني وأومن أن مشاكل البلد ستحل بالديمقراطية والعلمانية والفدرالية (تقاسم الثروة والسلطة) وتأسيس دولة المواطنة. والعلمانية عندي تتقيد بها الدولة لا المجتمعات، فالدولة مسئولة عن كل مواطن كل على حدة وعن المجتمعات السودانية ككل، ولكن المجتمع يصطبغ بصبغة الأغلبية وقد تضيع فيه أصوات المجموعات الصغيرة. ما أريد أن أقوله أن الديمقراطية ليست فقط العملية السياسية ولا حتى المؤسسات(القضاء والبرلمان والحكومة)، بل هي تمتد لتشمل توفير الضمانات لكل فرد سوداني أن يمارس ما يعتقده ويجاهر بآرآئه وينتقد وينتظم في جماعات سياسية أو دينية أو غيرها.إنها عندي حق كل سوداني في أن يأثر ويتأثر في المجتمع بلا حدود تحجر عليه حركته مثله مثل أي فرد سوداني آخر إلا حدود الدستور والقانون التي لا تميز بينهم. ومن هنا، ولقناعتي بأن الديمقراطية التي لا ترتبط بالعلمانية إسوف تنتهي بأن تحجر وتحد من حقوق وحريات مواطنين بإسم الأغلبية . أنا أعارض النظام الحالي لأنه يحكم بإسم الدين، وقد يسقط وتأتي حكومة أخري تحقق ما قلته أنت من فدرالية وغيره، ولكن قناعتي ان أي ربط للديمقراطية بدين معين سوف ينسف مبدأ الحقوق والحريات المتساوية للمواطنين وينسف دولة المواطنة وبالتالي الديمقراطية. لن أحمل السلاح في هذه الحالة، بل سأظل أبشِر مثل ما أفعل الآن وأقول: (إن الديمقراطية ليست العملية السياسية والإنتخابات ولا البرلمان والقضاء والحكومة، الديمقراطية هي الحقوق والحريات هي دولة المواطنة التي تساوي بين أفرادها) وهذه لن تتحقق إلا بدستور ديمقراطي علماني
أنا قلتا علمانية الدولة وحيادها تجاه إنتماءات المواطنين، لا تفرق بينهم فالأفراد سواء أمام الدول، بالنسبة للمجتمع المسألة مختلفة، فالمجتمع متحرك ومتصارع وفيه آراء كثيرة، والصراع إذا كان ديمقراطي فهو الذي يقود التطور ،ففيه تتنتصر المصلحة والرأي الأصلح ولو بعد حين، فمثلاً إقترح أحد الأفراد منع بيع الخمر وشربها في الأماكن العامة. إذا حشد لرأيه هذا المؤيدين ونجح في صياغته كقانون ومرره عبر البرلمان وأجازه القضاء ، فلم لا، الفرق الاساسي أن بإستطاعة أي فرد أو مجموعة أخري حشد قواها لمناهضة هذا القانون وتغييره لأنه آت من رؤية المجتمع في اللحظة المعينة وهذه يمكن تغييرها، فالقوانين التي يجيزها الأفراد ليست مقدسة ويمكن إجازتها أو رفضها أو تغييرها. أما القوانين التي تأتي من رؤية دينية محددة فتدَعي العصمة وليس بإستطاعة البرلمان تغييرها ، ولا يمكن لأحد أن يطرح رؤية مختلفة أو معارضتها. أي علماني ديقراطي (إذا كان يشرب الخمر ويدعو لشرابها) في ظل دستور علماني ديمقراطي وفي ظل قانون يمنع شرب الخمر إذا شرب الخمر وقبض عليه (بحسب القانون) فهو خارج على القانون ويعاقب بما نص عليه القانون. فالأصح له أن يقنع المجتمع إذا كان بإستطاعته ذلك، أو فليلتزم بحكم القانون.
ما أعرفه أنا أن الإنسانية إنجزت أدوات لحماية الحقوق والحريات (اللبرالية، الديمقراطية، العلمانية) ، هذه المصطلحات مجردة غير مرتبطة بمجتمع ولا بثقافة ولا بدين، ولها معايير ومقاييس غض النظر عن المجتمع وثقافته ودينه، ولكنها عندما تطبق في مجتمع ما فإنها تتلوَن بثقافته، ومن هنا أنا أسعى لعلمانية ديمقرطية عالمية المواصفات (سودانية) الملامح.
فيها الدولة  تعامل السودانيين بالتساوي لا على أساس معتقدهم لا على أساس عرقهم ولا على أساس تقاليدهم وعاداتهم ولا على أساس ثقافتهم. ولا  تنظر الدولة للسودانيين على أساس أن هناك أغلبية هم الأصيلين فيها ، وأقلية تحاول أن تساويهم بالأغلبية وتحاول أن لا تنتهك حقوقهم. كلهم سودانيين في نظر الدولة.
لا أنادي بإبعاد الدين من حياة الناس، بل أنادي بأن تعامل الدولة مواطنيها من كل المعتقدات بالعدل والمساواة ولهم كامل الحرية في ممارسة معتقداتهم. اما القوانين التي تضبط حركة المجتمع، فبالضرورة هي تنبع ويضعها أناس من المجتمع ، وتعبِر عنه. أنا أطالب بدستور علماني ديمقراطي وبمجتمع معافى يمارس معتقداته بكل حرية وبدون إضطهاد ديني وبلا حجر علي المسلم أو المسيحي أو غيرهما  بمجتمع يضع قوانينه التي تنطبق مع معاييره للسلوك التي يمارسها.

* الجنسية السودانية التي تتوافق مع حقوق الإنسان وتلبي حقوق المواطنة.

السودان وأزمة دولة مابعد الإستعمار

الإستعمار قام بتركيب منتجات الحداثة التي أنتجت في نظام ديمقراطي علماني ومجتمع ليبرالي (منزوعة من سياقها الديمقراطي العلماني الليبرالي) ركبها على قمة النظام الإقطاعي الكان موجود قبل الإستعمار (ليه ؟ لانو المستعمِر إبن الحداثة لا يستطيع أن يحكم ويسيطر إلا عبر أدوات الحداثة)، وذلك بعد إخضاع مراكز السلطة في ذلك النظام الإقطاعي، والذي غالباً ما  تنتظم فيه القبائل والعشائر كوحدات إدارية و كوحدات بناء إقتصادية/إجتماعية للنظام.


نظام ما قبل الإستعمار يعتمد التفوق العرقي والقداسة الدينية والتفوق الثقافي كطريقة تفكير سائدة ينقسم بها المجتمع لسادة يعتنون بباقي المجتمع (الأتباع) في الظاهر، ويستهلكونهم في تراكم ثرواتهم في الحقيقة. يستخدم الإستعمار طريقة التفكير السائدة عند المستَعمَرين لتقسيمهم لمجموعة يخصها بالرعاية والدعم، ومجموعات يتم قهرها عن طريق السادة. طريقة التفكير السائدة قبل الإستعمار (والمعدلة من قبل الإستعمار) يعاد إنتاجها من قبل أسر الطائفية وشيوخ وأرابيب القبائل في السودان في بداية الإستعمار، ومن بعد بالتحالف مع الشريحة العليا من الطبقات الغنية.إستخدام أدوات الحداثة (والدولة بمؤسساتها هى الأهم فيها) من قبل المستعمِر أدى لتوليد طبقة برجوازية (حضرية، وسطى ..) ضعيفة ومنتقصة المخيلة ومعتمدة على المستعمِر أبان الإستعمار، وعلى الدولة بعد ذهاب المستعمر. لم تنتج هذه الطبقة عن طريق التطور الطبيعي الناتج من الصراع بين القوى الحية في المجتمع السوداني ومراكز السلطة فيه، وإنما ولدت كمنتج ثانوي نتيجة لحوجة المستعمِر لمن يدير له مؤسسات دولته لتهب السودان، ولذا كانت وما زالت هذه الطبقة (الضعيفة القوة والقليلة العدد) خاضعة لمن يحكم، قديماً كان الإستعمار، وبعد الإستقلال لأسر زعامات الطائفية وشيوخ القبائل والأرابيب والشريحة العليا من الطبقة الغنية.


طريقة التفكير السائدة والتي تعمل لصالح مراكز السلطة (تموه وتزيف) الصراع بين قيم (الزواج الحرام بين الإقطاعيين والبرجوازية العليا) وبين قيم الحداثة التي تحمل رايتها الطبقة البرجوازية، وتصور كل إنتصار على قيم الديمقراطية والعلمانية واللبرالية كأنه رد على هزيمتنا المؤلمة الجارحة والبليغة في معركة كرري من قبل المستعمِر الغربي. وفي الجهة المعاكسة، عجزت الطبقة البرجوازية (ناتج المستعمر) عن تفكيك الثقافة السودانية وفرز متناقضاتها وقيادة صراع يرتكز على مؤسساتنا الإجتماعية الموروثة وتغيير دورها لمصلحة الحداثة، وإكتفت بوصم كل ما ينتمي للإقطاع، للتيار المتواصل منذ القدم القديم حتى تم قطعه في كرري، إكتفت بوصمه بالتخلف والجهل،وبذا عجزت عن مخاطبة جل السودانيين والسودانيات، وكفت نفسها شر القتال.


المزيج المصنوع من قبل المستعمِر، والمزاوجة المستحيلة بين طبقة أنتجت من قبل النظام الإقطاعي السوداني والشريحة العليا من طبقة أنتجت في ظل أدوات الحداثة (الغربية) وتصميمها كمراكز سلطة تتحكم في مجتمعات الحضر (البرجوازية في الغالب) ومجتمعات الهامش (إقطاع في الغالب). هذه التركيبة المصنوعة صبغت كل الطبقات، القديمة والمستحدثة بهذه الهجنة ما بين القديم والحديث، وجعلت كل المجتمع يتأرجح ويهتز ويراوح مكانه وأعاقته عن التطور. وصبغت حتى النخب (المسماة بالمستنيرة)، فتجدهم يزاوجون في قلوبهم ما بين الذكورية وتحرر المرأة، وبين اللبرالية والتربية بالسمع والطاعة، وبين الديمقراطية وقمع منتسبي حزبهم وتشويه صورة من يعارضهم وما بين الإنسانية والعنصرية، في مزيج يدعو للدهشة والإستغراب، ولا يجدون في أنفسهم أدنى حرج، بل وينامون قريري العيون هانئين.


طريقة التفكير السائدة والموروثة من الإستعمار هي التي تهدم الدولة، هى التي خربت السكة حديد، مشروع الجزيرة، الخدمة المدنية وهى التي أضعفت الجيش والشرطة، فلم تكلف البرجوازية العليا المتحدة مع زعماء الطائفية وشيوخ القبائل، (وهي التي أنتجت في ظل غياب قيم التنوير) لِمَ تكلف نفسها بصيانة مؤسسات الدولة الحديثة وبإمكانها أن تربح وتنهب وتراكم ثرواتها في ظل دولة الزعماء والشيوخ والأرابيب بما لا يقاس. طريقة التفكير السائدة لا تحتاج للدولة الحديثة ومؤسساتها لتحكم، بل هي ترى في مؤسسات الدولة الحديثة إما (العدو الذي زرعه الإستعمار الغربي)،أو الأداة الحديثة التي ستستخدمها بديلاً لسلطة القبيلة والطائفة للنهب والقهر وتوزيع المغانم ، وبما أن الوارثين من الإقطاعيين والبرجوازية العليا ،ورثة الإستعمار، إستمروا في إدارة الدولة الحديثة بنفس نهج الإستعمار، أي كأداة للنهب والقمع والسيطرة، إستقر في العقل الجمعي كراهية الدولة الحديثة وفي نفس الوقت التمثل بقيم وطريقة إدارة مؤسسات الإقطاع سواء في دولنا القديمة من فور وفونج ومهدية وفي قبائلنا، وإعادة إنتاج هذه المؤسسات على الأرض مع نفس الهجنة الإستعمارية التى تم ذكرها في الأعلى، فتتجد أنه حتى المؤسسات الحديثة من أحزاب وشركات ومنظمات عمل عام وحتى الحكومة، تدار بطريقة إقطاعية، بمعنى إعادة إنتاج مؤسسات الحداثة شكلياً وإستبدال محتواها الحداثي الديمقراطي اللبرالي بمحتوى إقطاعي أبوي ذكوري عنصري يتغطى بالقداسة الدينية.


الحل بإختصار: أن تُخَلِصْ الطبقة البرجوازية وبالأخص مثقفيها (منتجي طريقة التفكير الجديدة) أن تخلص نفسها من هذه الهجنة، وأن تعكف على تراثنا وثقافتنا وقيمنا وأدياننا لتفرزه وتغيره وتطوره لتتوطن فيه قيم الحداثة من ديمقراطية وعلمانية وليبرالية وأن تستل منه قيم الأبوية الذكورية والعنصرية والتلحف بالقداسة الدينية.
طبقة برجوازية مسلحة بقيم التنوير خالصة وخالية من لَجَنَة الأبوية والعنصرية والقداسة الدينية وذات طريقة تفكير منسجمة وغير متناقضة ومرتبطة بالثقافة والتراث والأديان السودانية وقادرة على مخاطبة مهمشي القبائل وأتباع الطائفيين، هي الوحيدة القادرة على إقامة دولتنا الديمقراطية العلمانية ومجتمعنا اللبرالي ، هي الوحيدة القادرة على قيادة تحالفات الطبقات المقهورة وهزيمة الإقطاع المتزاوج مع البرجوازية.وإلا فأستعدوا لدول الأقطاع مكان دولتنا السودانية، وللنسخة السودانية من داعش والقاعدة والشباب الصومالي.