الأحد، 15 مايو، 2016

ماذا يلزمك لتقود عربة؟

إذا عندك عربية فيلزم لها سائق يحسن قيادتها . يلزم عربتك ميكانيكي وكهربائي وحداد وغيرهم يحسنون صيانتها حسب المعايير.يلزم أن يكون السائق والسائقون الآخرون ملمون بأولويات قانون المرور حتى لا يتصادمون في الشوارع نتيجة التدافع، وقانون المرور يلزم له سلطة تنتجه وتعدله وتطبقه، وسلطة تبني الشوارع وتصينها، وإشارات مرور مركبة بطريقة صحيحة. يلزم أن تكون هناك محطات لتزويد العربات بالوقود، ومؤسسات لإستيراده أو لإنتاجه. يلزم عربتك أن تكون هناك شركات لإستيراد العربات، وتسويقها، ولإستيراد الإسبيرات، وأسواق للسيارات المستخدمة. يلزم عربتك أن تكون هناك شركات تأمين تنوب عنك في دفع الضرر إن حصل لعربتك أو للآخرين.يلزم وجود مدارس وجامعات تعلم الكهرباء والميكانيكا والإقتصاد والقانون، من الممكن الإستطراد هنا حتى نقول أن وجود عربتك وإستمرارها تعمل بصورة جيدة يستلزم وجود دولة كاملة قائمة لخدمة هذا الغرض.
بالطبع يمكنك في دولة لا توجد بها أي من هذه المؤسسات أن تستورد عربة بإمكانياتك الخاصة، وعندها لابد لك أن تقود في الشوارع الغير ممهدة أو أن تمهدها بنفسك، ستحدث حوادث مرور مريعة نتيجة لعدم وجود قانون ينظم الحركة، ستضطر لتوفير الوقود بنفسك..الخ. إذا الدولة غير مهيأة لأداة حديثة مثل عربتك فسيكون مصيرها أن تتدنى فعاليتها وتبلى وتتفكك،
وأهم نقطة أن لا مؤسسات تملك المعرفة والخبرة لكي تعيد طريقتك في إنتاج العربة وتشغيلها وقيادتها وصيانتها، لأنك وحدك تملك هذه المعرفة والخبرة ، وإذا ذهبت العربة وذهبت أنت، ذهبت المعرفة والخبرة وتعذر إعادة إنتاجها مرة أخرى. 
 بالضبط هذا ما أحاول أن أشرحه بصدد دولتنا السودانية، دولة ما بعد الإستعمار، والتي قام الإستعمار بتركيب آلة الدولة الحديثة ومؤسساتها بدون أن تتغير طريقة التفكير الإقطاعية لطريقة تفكير حديثة، فأصبحنا نملك مؤسسات حديثة: الجيش، الشرطة، التعليم، الصحة، الخدمة المدنية، ..الخ في دولة إقطاعية يسيطر على مراكزها البرجوطائفوقبليين.
طريقة التفكير الحديثة تستطيع تطوير وصيانة وإعادة إنتاج مؤسسات دولة الحداثة وإعادة إنتاج نفسها ، وكذلك طريقة التفكير الإقطاعية تطور وتصين وتعيد إنتاج مؤسسات دولة الإقطاع وإعادة إنتاج نفسها.
في دولتنا السودان تلتيق مؤسسات الدولة الحديثة مع المؤسسات التقليدية تحت سيطرة طريقة التفكير الإقطاعية لم ينتج عنه إلا ضعف كفاءة وتدهور وتفكك المؤسسات الحديثة كما في مثال العربة أعلاه، لأن طريقة التفكير السائدة ليست لها القدرة والمعرفة لتطوير وصيانة وإعادة إنتاج المؤسسات الحديثة. بل الأدهى والأمر أن طريقة التفكير الإقطاعية وفي هجوماتها الأخيرة أضحت تفكك مؤسسات الدولة الحديثة نفسها، السكة حديد ومشروع الجزيرة،الجيش والشرطة والاحزاب والنقابات.وتبني لنفسها الأدوات التي تعرفها وتجيد إعادة إنتاجها وصيانتها وتطويرها، القبائل والطرق والجماعات الدينية والمليشيات القبلية والدعم السريع.

ماذا يلزمك لتقود عربة؟ يلزمك طريقة تفكير حديثة متطابقة مع الآداة الحديثة، يلزمك مؤسسات حديثة، يلزمك دولة حديثة.

الجمعة، 13 مايو، 2016

الى عدوي

السخرية خلف إبتسامتك المتعالية
الإنتصار في رنة ضحكتك
هما طاقتي، التي ستخيفك بحفيف الهواء حولك مرنماً حضوري


أنا طوب جدار خوفك
قفزة وعيك من إغفاءة إنتظاري الذي لا ينتهي
نسيج حلمك في الإغفاءة
قفزات الثواني المتثاقلة انا


سأتسلل قطرةً قطرة
وستفاجئك شيمتي في الغرق


لحظة تتشبث بالهواء يدك

لتمسك بيأسك العريض
أصبعك السبابة، الذي لطالما أشار نحوي بإحتقار
سالمسه تميمة إنتصار

الأربعاء، 11 مايو، 2016

إدوارد سعيد وأنا وما بعد الإستعمار

في رؤية إدوارد سعيد وفي رؤى مدرسة ما بعد الإستعمار يتم تحليل خطابات سائدة وخطابات مسودة في مجالات مختلفة ثقافية وسياسية ،إبداعية وتقريرية، وفلسفية. كل هذه الخطابات تنطلق من وعي الحداثة الأوروبي برموزه ورؤيته التي تم إنتاجها في عصر صعود الإنسان والعلم والثورة الصناعية. 
إنسان الحداثة الأوروبي وقد قتل الآلهة وإمتلك السماء، طفق يرمز العالم من حوله ويعيد إستيعابه لا كما هو العالم في حقيقته، ولكن العالم كما أخترعه ابن الحداثة بإعتباره هو مركز العالم وإلهه الجديد، والذي سيقود العالم لإكتماله . وهكذا ومن خلال هذا القناع الرمزي كان إبن الحداثة الغربي يرى باقي المجتمعات الإنسانية لا كما هى في الواقع ، ولكن كمجتمعات متخيلة لا تستطيع أن تعبر عن نفسها ولا أن تخرج من أطوار التخلف إلا بأن يعبر عنها الأوروبي وينتشلها من وهدتها ويقودها للنور. بالطبع هذه الرؤية الجذر المادي لها يقع في مؤسسات الإستعمار والحوجة الإقتصادية للأسواق ونهب الريع للبلدان المستعمرة وإستخدامهم لبناء البلدان الأوروبية. 
هذه الرؤى وإن كانت فصيحة وصارخة في الخطابات السياسية التي تدعم الإستعمار، إلا أنها وبمركزيتها في وعي الحداثة الأوروبي، تعبر عن نفسها بفصاحة حتى في خطابات الإنسانيين والكونيين، الذين يعبرون عن الضمير الإنساني الأوروبي. فمثلاً مقولة زي "يا عمال العالم إتحدوا" في مساواتها بين عمال المستعمر وعمال الدول المستعمرة، تهمل إهمالاً شنيعاً أن للعامل الأوروبي مصلحة ونصيب في الإستعمار، فهو غير أنه يتمتع بنهب ريع البلاد، مشارك في حصص فائض القيمة من عمال البلدان المستعمرة، فكيف تطالب من المقهور أن يتحد مع قاهره، إلا إن كنت (ومن حيث لا تفكر) تمالئ المستعمر.
في رؤيتي وأنا بنطلق من المنهج المادي الجدلي التاريخي لأقول أن الإستعمار وبتدخله في الإقتصادي الإجتماعي للشعوب يقوم بتغيير الجدل الإقتصادي الإجتماعي التاريخي الحر للمجتمعات والذي يقود حركتها ، ويقوم بقهر وصناعة نمط إنتاج أسميته "نمط إنتاج ما بعد الإستعمار" وبالطبع يمثل نمط الإنتاج الهجين المصنوع الجذر والسلمة الأولى لتكوين الوعي وطريقة التفكير السائدة في البلدان التي تم إستعمارها. في هذا النمط المصنوع والذي يتم فيه التهجين بين الآلة الحداثية التي أدخلها المستعمر والبنيات التقليدية في البلدان المستعمرة، لا يستطيع النمط التقليدي كما أعاد إنتاجه الإستعمار هزيمة الحداثة، ولا تستطيع الحداثة وقد أدخلت كأداة تتحرك بالقيم القديمة تجاوز البنى التقليدية، فتظل البلد تراوح مكانها، إلى أن يحدث إختراق من قبل الرؤية البرجوازية كما آمل وأوضح في كتاباتي المختلفة.
بينما يركز إدوارد سعيد ومدرسة ما بعد الكولونيالية على دراسة خطابات الأوربيين عنا، أو نحن ومجتمعاتنا كما نبدو في رؤى الأوروبيين. أركز أنا على دراسة واقعنا كماهو موجود، كما نراه ونعيشه. يعني أرانا بعيوننا، لا في رؤاهم.