الأحد، 3 يناير، 2016

التاجر والفكي في مواجهة الأرباب والمك

"أو الإنقلاب العربسلامي"


 في نهايات سلطنة الفونج وإنهيار إحتكار السلطان الإقطاعي للتجارة بدأت بذور طبقة برجوازية تجارية صاعدة في النمو ومعها المؤسسة الصوفية الإقطاعية داعمة لها ومغيرة في نفس الوقت للأعراف والتقاليد السودانية الضاربة في القدم. معها بدأ التوريث الذكوري وإنتهى آخر مظهر أمومي في السلطنات والممالك السودانية، وبدأ الإحتكام للشريعة بدل العرف ودخلت الزكاة منافسة للشرور والمضار والسبل التي كانت تجبي لمصلحة الإقطاعي والسلطان من الأتباع، دخلت الزكاة كضريبة إضافية تجبى لمصلحة زعماء الطرق الصوفية.
في الحقبة الإستعمارية وما بعدها، تم تدعيم الطبقة البرجوازية التجارية الضاربة في القدم بخريجي المدارس والمعاهد والحرفيين وموظفي وموظفات الحكومة ، ومول الإستعمار وأقطع الأراضي لزعماء الطائفتين وزعماء الطرق الصوفية والقبائل (الموالية للإستعمار) وأفراد مهمين بالنسبة لهم، وفتحت الأبواب للتجار الأجانب المهاجرين للسودان ودا أساس الطبقة البرجوطائفية البتكلم عنها انا.

دخل الصوفية الرواد الأفذاذ الأوائل قبل قيام سلطنة الفونج بزمان طويل :افراد دعاة وتجار مغامرين. ومع أن التصوف كان قد سلك في مدارج الفلسفة وصار تجريداً عظيماً في زمان علو شأن الخلافة الإسلامية وتعقد مجتمعاتها وترفها وتطورها في العلوم النظرية والتجريبية، إلا أن التصوف في السودان تم زرعه في تربة إقتصادية إجتماعية مختلفة في النظام القبائلي السوداني، وتغيرت وظيفه الزاهد الشيخ (الفقير) وصارت تشابه وظيفة الكجور الكاهن السوداني، بل أن القبائل وفي ميلها نحو العربية والإسلام (والناس على دين ملوكهم) بدأت تستبدل الكجور بالفكي، وصار لكل قبيله فقيرها يقوم بنفس وظائف الكجور القديمة في إنزال الأمطار، وإلتداوي بالقرآن والأعشاب (العروق)، والتوسط ما بين الدنيوي والمقدس، وردع الأعداء والكائنات الماورائية بالأحجبة، ووقف هجمات الطبيعة القاسية، وبالمقابل تدهورت صورة الكجور الكاهن السوداني التقليدي وأصبح يعبر عن جالب الشر عن طريق السحر.
    النسب الأمومي كان سائداً في سلطنة الفونج كان السلطان ينتقل من السلطان لأبن أخته إذا لم يكن له ولد، ولا يكون السلطان سلطاناً إلا إذا كان من نسل بنات (عين شمش)، وكان الخال أخو الأم ذو سلطة عظيمة في البلاط ويسمونه سيد القوم ويقوم بإدارة القصر وتعليم الأمراء، ولهذا الخال وحده تسند مهمة قتل السلطان إن أرادوا عزله.
    كان السلطان محصوراً في سلطنة الفونج في أسرة الأونساب، وكذلك لم يكن أي مك أو أرباب ليصبح  مك أو ارباب في مملكة الفونج إن لم يكن متزوجاً بأحدي بنات عين شمش، وهذا ما سبب إنغلاقاً في سلطنة الفونج، إذ أن أبناء الأرابيب لا يصبحون أرابيب بالضرورة إذا لم ينجحوا في الزواج بإحدى حفيدات عين شمش من بنات الفونج وبذا كثر الأرابيب السابقين الفاشلين في إستعادة اربوبيتهم، وخلق ساخطين على العرف والتقاليد في منزلة بين الأتياع والأسياد، وربما كان هؤلاء هم الرصيد الأول لتجارالطبقة البرجوازية ولفقرا وشيوخ المؤسسة الصوفية الإقطاعية.
    كان السلطان يحتكر ملكية الأرض (في مملكة الفور برضو) ويديرها المكوك بإسمه ويعمل عليها الأتباع ويدفعون بجل نتاج عملهم للإقطاعي المك او الأرباب، وكانت التجارة الخارجية محتكرة للسلطان.
   ورثت الفونج، وهم في رواية فرع من الأسرة العلوية القديمة، أيديولوجيا الملك - الإله بصورة مخففة فصار الملك ذو القدرات الماورائية، ملك الشمس والظل، الخفي والظاهر، المحسوس والغير مرئي. يملك الأرض وما عليها وله القدرة على قتل مخالفيه بمجرد النظر إليهم. مع تتابع ضربات أيدولوجيا الديانات التوحيدية ذات الإله المتعالي على البشر، المسيحية أولاً والإسلام بقوة من بعد ذلك تحولت ايدولوجيا السلطة من التأليه الروحي لأسطورة العرق المتفوق، مصطحبةً السيطرة العربية ثقافة ولغة وقوة على الأرض في ذلك الزمان، وتحت سطوة النصوص التي تعلي من شأن العرب، تحولت أيديولوجية السلطة من تأليه الحاكم إلى الإدعاء بنسبه العربسلامي المتفوق (وحدث ذلك في مملكة الفور أيضاً).
   دخول الفقرا وموسسة الصوفية وبدايات التجارة ساهمت في فك إختناقات النظام الإقتصادي الإجتماعي، فسمحت بالتملك الخاص والوراثة وتوريث الذكر والنسب الأبوي محل الأمومي، وظهرت النقود المعدنية وبذا صارت التجارة ممكنة على نطاق واسع وكبير.
  في النظام القديم كان السادة سادة وربما يتدحرجون للأسفل، والأتباع أتباع ولا أمل لهم في الصعود.
    بدخول التجارة والتملك والورثة والمؤسسة الصوفية الإقطاعية بقيادة مثقفي تلك الفترة (الفقرا والشيوخ) إنفتح شباك حلم كبير، وصار المبادرين المغامرين يتسابقون لتسلق السلم الطبقي والخروج من طبقة الأتباع ومن تبعية الإقطاعي، وتسابقت القبائل لإدعاء النسب العربي وكتابة سلاسل النسب الجديد وإحتضان بيوت الصوفية، بل وإدعى الأرابيب والمكوك الإنتساب لأسرة النبي الهاشمية فإنعدم بذلك الحاجزوالرادع الذي يحول بينهم وبين السلطة، ومن ثم طمحوا في منازعة سلطان الفونج ذاته، كيف لا وكلهم قد صاروا (عرب العرب).وقام تراتب جديد في المجتمع، العرب في سنامه بعرقهم النبيل والقبائل السودانية التي لم يغيرها الإنقلاب الإجتماعي في أدنى سلمه.
صارت المؤسسة الصوفية مؤسسة إقتصادية لها أصول ومدخول ومنصرف وأرباح ، وزارة تربية وتعليم ومركز بحثي عالي، مؤسسة للقانون والقضاء، وزارة صحة ووزارة للشئون الدينية والأوقاف في مؤسسة واحدة. وصار الأطفال السودانيين المليئين بحكاوي الحبوبات عن السحاري(الساحر الكجور)، وعن البعاتي واب لمبة وبنات الحور والسعلوة، صاروا يدخلون الخلوة ليتلقوا المعارف الدينية ومعارف اللغة العربية، ويتخرجون صبياناً عرب مسلمين، يقتدون بعنترة العبسي (العربي الذي كان تابعاً وصار فارساً وسيداً وتزوج بإبنة السادة)، وينشدون معه :" وشككت بالرمح الأصم ثيابه ** ليس الكريم على القنا بمحرم".
  نشأت مدن كاملة حول الأسواق الجديدة وخلاوي ومسايد (جمع مسيد) للشيوخ والفقرا، سكانها التجار والحيران والهاربين من القرى والفرقان الإقطاعية. ونبتت مقامات وقبب وخلاوي في القرى والمدن الإقطاعية القديمة في تحالف ما بين المكوك "العرب الهاشميين" والفقرا، وإنبثقت ثقافة جديدة، وتم إختراع سودان جديد ذي ذاكرة مغتربة.

مراجع: 
1- عصر البطولة في سنار - ج. أسبولدنق، ترجمة أحمد المعتصم الشيخ.
2- الفقهاء والسلطنة في سنار- د. عبد السلام سيد احمد
3- السودان تأصيل الهوية والبحث عن الذات 3 أجزاء - د. احمد الياس حسين
4- الأرض، العلماء وبربر - محمد ابو سليم  
5- الطبقات - ود ضيف الله
6- مذكرات كاتب الشونة

السبت، 2 يناير، 2016

مؤسسة نادي الحلة والفريق

رأيي إنو السوبرمانات، المميزين المبجلين ديل هناك قالب لهم وموديل تم خراطته وصبه بواسطة المصالح والسلطات القابعة في العلاقات الإجتماعية الإقتصادية.
في زمن زي بدايات سلطنة الفونج تكاد تكون الإنفكاكة مستحيلة من تراتبية العرف والعادة الإجتماعية والتي تقوم مقام الدستور والقانون الأن (وإن كانت في بلدنا وحتى الآن أقوى من الدستور والقانون في كثير من الأحيان)، هذه التراتبية في أوائل سلطنة الفونج والفور كمان، تحدد من هم السادة ومن هم الأتباع بصورة دقيقة ومفصلة تكبت وتقمع كل محاولات الفرار للمبادرين من عنف التراتب الإجتماعي. 
في أواخر دولة الفونج ومع نمو طبقة التجار ومزاحمة المؤسسة الصوفية لمؤسسة القبيلة ظهرت فجوات كبيرة في العادات والتقاليد وظهرت عادات جديدة ومهن جديدة ومبادرين جدد لا يأبهون كثيراً بالأعراف القديمة. 
تم قطع تطور المجتمعات السودانية بالإستعمار والذي قام بتابيد الأعراف القديمة والمؤسسات القديمة وفي نفس الوقت قام بخلخلتها بصهرها مع قيم البرجوازية الحديثة التي قام بإنتاجها. هذا الوضع في رأي صاغ القالب الجديد للسوبرمانات أو المميزين، فهم شكلاً حداثيون ولكنهم في الروح (طريقة التفكيرالسائدة) نفس الأرابيب والشيوخ. 
القالب الجديد الذي يصيغ المبجلين المحترمين تمت صناعته من العلاقات الإجتماعية الإقتصادية الناتجة من تحالف البرجوازية العليا مع الأرابيب وابناء شيوخ القبائل والطرق الصوفية والطوائف ... هذا القالب ملتق ولتقه الإستعمار ومستمر حتى الآن ولذا يسمح عبر ثقوبه بأن يمر بعض المبادرين من خارج القالب والموديل، ولكن تابع تجاربهم جميعاً، ستجد أن قهر العلاقات الإجتماعية وطريقة التفكير السائدة يقوم بتحويلهم لنفس النمط آجلاً أو عاجلاً .
 وهذا هو ما يجب محاربته بإقامة المؤسسات البديلة التي تستوعب المبادرين من خارج النمط وتعيد إنتاجهم بإستمرار، واعني مؤسسات الحداثة.ومؤسسات الحداثة ممكن تكون كأبسط ما يكون أندية في الأحياء والفرقان ينتمي لها المواطنين والمواطنات بعيداً عن تحيزات الدين والعرق والنوع وبها مكتبة ومسرح وفرقة موسيقى ومنتدى وجريدة وربما صفحة الكترونية.