الاثنين، 21 سبتمبر، 2015

ماركس ومركزية العقل الأوروبي


ماركس ، ورغم إجلالي له ولمنهجه الماركسي والذي إتخذه كوسيلة أساسية لتحليل الظواهر الإجتماعية الإقتصادية، إلا أن وعيه كان للأسف ممركزاً حول الوعي الأوروبي وعقلية الرجل الأبيض، فلم ير من الإحتلال الأوروبي لشعوب العالم المضطهدة ، لم ير من الإستعمار بكل بشاعته وقمعه إلا رؤية الرجل الأبيض البرجوازي الفائق القوة والحضارة وهو ينشر التمدن وعلاقات الإنتاج الرأسمالية.
في إعتقادي هذه الرؤية وهذا التحليل خاطئ تماماً، الإستعمار لا ينشر التنوير، ولا ينشر علاقات الإنتاج الرأسمالية في البلد المحتل، بل يركب هذه العلاقات الرأسمالية (كأداة نهب) في قمة العلاقات القديمة، علاقات ما قبل الرأسمال الإقطاعية القبلية.
وبهذا لا تنشر البرجوازية الأوروبية المستعمرة التحضر والتنوير، ولا تنشر علاقات الإنتاج الرأسمالية، بل تزرع في المجتمعات المحتلة ما يعوقها عن التقدم والتطور حتى بعد ذهاب المستعمر (كما حصل عندنا في السودان).
نقاطي على المنقول أدناه ما يلي:
1- كلمة بربرية حكم أخلاقي يضمر مركزية أوروبية على باقي مجتمعات العالم، ولا يقع في مجال مفاهيم الجدل المادي ولا التاريخي ولا الإقتصاد السياسي.
2- الإستعمار الأوروبي لم يكن تمديداً لعلاقات الإنتاج الرأسمالي ولا نشراً لثقافة التنوير البرجوزية، بل كان تعويقاً وهيمنة على النظم الإقتصادية الإجتماعية للشعوب المحتلة.
3- في إطار توزيع الحصص عن طريق علاقات الإنتاج الراسمالية لما تم نهبه من المستعمرات، حتى العامل الأوروبي كان له نصيب وبل البنية التحتية للدول الأوروبية التي تم بناءها بالنهب من المجتمعات المٌستعمَرة إستفادت منها كل طبقات المجتمع في أوروبا وإستمرت هذه الإستفادة لتشمل أجيالهم اللاحقة وحتى الآن.
4- تشويه موسسات المجتمعات التي تم إحتلالها وإعاقة نموها مستمر حتى الآن، بما يعني أن الوقائع الناتجة عن الإستعمار وقائع جديدة حتى التحليل الذي أنجزه ماركس بواسطة منهجه لم يشملها.
مفهوم بأنني هنا لا أحاول قبر مجهود فكري عظيم وإرث لا يزال فاعلاً في الحاضر من قبل ماركس المفكر ولكنني أنبه العقل النقدي بأن عقول البشر لها تحيزاتها الثقافية والدينية والإجتماعية، بل لها تحيزات حتى تجاه توافه الأشياء، تنسل هذه التحيزات للأفكار وللآراء وحتى للرؤى الدينية من حيث لا يشعر بها من أنتجها رغم مقاصده النبيلة، ولكن المصيبة انها تشكل وعي من يقتنعون بها عندما تركز في لا وعيهم مع مجمل الفكرة أو الرؤية التي أخذوها وقد يكون التحيز الثقافي السياسي الإقتصادي الديني ضد من يقتنعون بهذه الأفكار بالذات فيضطّهدون أنفسهم والآخرون وهم لا يشعرون.
ما أدعوا له هنا أن نعيد قراءة ما نقتنع به، ما نؤمن به، أن نعيد قراءته من موقعنا كسودانيين في مجتمعات مختلفة ثقافةً وسياسةً وإقتصاداً وإجتماعاً عن منتجي هذه الأفكار والرؤى.
 

مترجم ومنقول من البيان الشيوعي والذي كتب من قبل ماركس وإنجلز
(البرجوازية، ومن خلال التحسين السريع لكل أدوات الإنتاج، وبطرائق الإتصالات التي أصبحت سهلة بصورة هائلة، صبغت كل شيء، حتى في أكثر الأمم بربرية ، بالحضارة. الأسعار الرخيصة للسلع هي المدفعية الثقيلة التي تُدك بها كل الأسوار الصينية ، والتي من تجبر الكراهية المتعنتة للبرابرة تجاه الأجانب على الإذعان.
إنها تجبر جميع الشعوب، تحت طائلة الانقراض، على تبني نمط الإنتاج البرجوازي. أنها تحملهم على إدخال ما تسميه بالحضارة في وسطهم، أي ليصبحوا هم أنفسهم برجوازيين. في كلمة واحدة، فإنها تعيد خلق العالم على صورتها الخاصة.)

نشيد القيامة


الإستعمار البريطاني لم يجد أوان بداية الإستعمار الأيدي العاملة التي تُسير دولاب الدولة، حيث أن السودانيين المشبعين بالوعي القبلي ووعي شبه الإقطاع يحتقرون العمل المؤجر ويحتقرون من يقوم به، إعلان تحرير العبيد إذن كان لضرورة قاهرة غلفها الإستعمار في ثوب حقوق الإنسان. شَكلْ المحررين من العبيد سكان المدن الحديثة وصبغوها بثقافة جديدة غير مرتبطة (كثيراً) بالثقافة الأبوية للمجتمع القبائلي والعشائري، لثقافة شبه الإقطاع، هذا التحرر من الثقافة القديمة أعطاهم ديناميكية وفردانية وقدرات أكبر للتفكير المبدع الخلاق. وعيهم لم تكن تحده القبيلة المؤسسة، ولذا كانت رؤيتهم تتسع لتشمل السودان كله. هم أوئل الميكانيكية وأوئل النجارين وأوئل الممرضين وأوئل الأطباء،أوائل المعلمين،أوئل الضباط والجنود وأوئل الفنانيين. منهم أول من كتب عن إصلاح التعليم، ومنهم أول من كتب عن (ثقافة سودانية) في مقابل (ثقافة عربية إسلامية) كان يتشدق بها أبناء الذوات وأبناء شيوخ القبائل والطائفيين. ومنهم (ويا للعجب) أول ثائر سوداني يرى السودان (كبلد مستقل) ويجب أن يحكمه أبناؤه السودانيين ،ومن بعد ثورة علي عبداللطيف أدرك الإستعمار (إنهم كانوا مستعبدين بأجسادهم ولكن أرواحهم حرة لا تستعبد) فأبعدهم وأستبدلهم بأبناء العشائريين والقبليين والطائفيين.. كان تأثيرهم ظاهراً وكبيراً، وكان لهم (الكتلة السوداء) في برلمان الإستقلال، ولكنهم الآن ذابوا في ظلال المدن.
  لا أتكلم عن بنات وأبناء القبائل ذات الأصول الإفريقية في الهامش.
أتكلم عمن رقصنا على أنغام موسيقاهم وثقافتهم وعلمهم في المدن.
رقصنا وكنا نتجاهل عامدين حجارة العنصرية التي كنا ندفنهم بها (وهم مستمرون في الغناء)،
ومازلنا، وما زالوا 

أتكلم عن العبيد المحررين ، عن أبناءهم وأحفادهم هنا سأغنيهم
 أغني لروحهم الوثابة
 أغنى لمن صنعوا مدننا وشكلوا وعينا الحديث
 حتى ينهضوا ويهزموا هذا (الهمبول) العنصري
ولهم سأغني ومعي أرواح أسلافهم العظام
(إنهضوا فقد جاء وقتكم).