الخميس، 25 مايو، 2017

جماعات التكفير والهجرة اليسارية

                  التغيير في تجسده المادي هو تغيير أهداف وهيكل المؤسسات وطريقة التفكير السائدة فيها ، تغيير علاقاتها مع بعضها البعض بحيث تتغيراهداف وهيكل وطريقة التفكير في النظام ككل وتغيير طريقة حركته لتحقيق هذه الأهداف. 

السؤال هنا هو: كيف نغير مؤسسات النظام الإقتصادي الإجتماعي؟

 والإجابة هى بالإشتباك المباشر معها والضغط عليها بتوجيه اسئلة الحقوق والحريات يومياً للمؤسسات المختلفة. ولكي يكون التغيير شاملاً لابد من أن تكون المسآئلة شاملة لكل المؤسسات من كل حسب موقعه وحسب إهتمامامته وقدراته.

الندوات السياسية، المظاهرات، الكتابة على الحوائط، البيانات، الكتابة على الوسائط، المخاطبات في الشوارع لها دور في إيضاح طغيان وقهر السلطة وتبيان ملامح البديل  وزحزحة طريقة التفكير السائدة عن موقعها. لكن إن لم يكن هناك جدل واشتباك يومي مع المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية يحاول أن يوظف هذه الخطابات لحركة فعلية في الواقع ويستفيد من تراجعات السلطة عن أي مساحة ليحتلها العمل المدني الدؤوب والمنظم الساعي للتغيير، إن لم يكن هناك إنتصارات يومية صغيرة في مؤسسة الأسرة، اللجنة الشعبية، القبيلة، الطريقة الصوفية، الحزب، المنظمة، مؤسسات القطاع الخاص ، مؤسسات الثقافة والتعليم والقانون والقضاء والجيش والشرطة والأمن، إن لم تكن هناك إنتصارات صغيرة في التعامل والإشتباك مع هذه المؤسسات تقود لتغيير هذه المؤسسات شيئاً فشيئاً وتحول دور مراكز السلطة في المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية من المهيمن للمدافع والمبرر والمتراجع عن سياساته، إن لم يكن هذا ستكون مساحة الهتاف والكلام والكتابة أداة للنظام لإظهار تسامحه وإخفاء نهبه وقمعه المادي الحقيقي، وستتحول لطقس تطهري للناشطين في التغيير يعمدهم كمناضلين في مساحة لا تفيد إلا في تنفيس القهر والكبت ولكنها لا تغير شيئاً.

قال حسن موسى في في تناوله لقضية محمد صالح الدسوقي:
(أما وجه "الحماقة" [ و عفوكم حتى أجد عبارة أفضل من " الحماقة" ]، فهو في كون الدسوقي ، في سورة حماسه البطولي: غفل عن كون مخاطبته لسلطات المحكمة الشرعية تتضمن إعترافا يزكي إنتحالهم الجائر لسلطات خولتها لهم قوى سياسية [ وطنية و دولية] لا تتمتع بأي سند سياسي أو حقوقي أو أخلاقي بخلاف سند القوة الغاشمة.)مقال حسن موسى

عندما أمر بمثل هذه الآراء تمر بخاطري افكار سيد قطب في إعتزال المجتمع الجاهلي وتطبيق جماعات التكفير والهجرة لهذه الأفكار ببناء المجتمع المؤمن المعزول والهجوم وتحطيم أسس مجتمعات الكفر والطاغوت، الفرق ان جماعات التكفير والهجرة هذه المرة هى الأحزاب والجماعات اليسارية في اعتزالها ما يسمى بالعمل القانوني في مسائلة ومفاوضة ومساومة مؤسسات الدولة.
إن شعار إعتزال السلطة الجائرة هو شعار مضحك للغاية، فبما أنها سلطة وتتحكم في كل مؤسسات النظام الإقتصادي الإجتماعي فأنت لست فقط مضطراً للتعامل معها بسلطة الواقع، ولكنها ايضاً تهجم عليك في اعتزالك وتشكله لك على مقاسها  وترغمك يومياً على تلقي ضرباتها والإنعزال اكثر، بل وحتى إن كنت مهاجراً وتأتي فقط لزيارة اهلك بين الفينة والفينة فأنت مضطر لتقديم جوازك (الأجنبي) لسلطة الواقع لتختمه لك وتضطرك للتسجيل كأجنبي وتدفع غرامة إن لم تسجل.

إذا كنت مضطراً للإعتراف بهذه السلطة من موقف المذعن للقمع والنهب والقهر، فكيف تستنكر مسآئلة مؤسسات هذه السلطة عن حقوقك من موقع القوي المهاجم؟!!

نعم إن الإشتباك مع المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية المختلفة بمطالبتها بالحقوق والحريات والدخول في انتخاباتها وبمطالبتها بتحسين سياساتها واجرآاتها وبمطالبتها بتطبيق القوانين والعدالة من مستوى الحلة والفريق لأعلى مستوى هو تفاوض ومساومات مستمرة، تفاوض بالجسد وتفاوض بالرؤى والحجج، إنها اقرب لرقصة فروسية بين خصمين يقفان متواجهين ملتحمين متدافعين، كلما تراجع احدهما خطوة وضع الآخر قدمه مكانها، والفرق بين المساومة والإنتهازية هو الإتجاه الذي يقفه ناشط ومؤسسة التغيير في مواجهة أم مع السلطة في هذه الرقصة.
الشعارات الكبيرة، الشعارات البراقه الجاذبة مثل العصيان المدني الشامل، الثورة الشاملة لاتنفجرمن احلام الثوريين ونشطاء التغيير ومؤسساتهم ، وإنما تنبت وتتبرعم في الحواري والأحياء والأسواق وسط الناس ومكابدتهم لحقوقهم البسيطة، في مسائلة اللجنة الشعبية عن النظافة وتصريف مياه الأمطار، مسائلة النظام الصحي عن العلاج، مسائلة القانون عن جلد البنات ومطاردة ستات الشاي، مسائلة ذوي الرؤى المختلفة وذوي الدين المختلف للمؤسسات عن حرية العقيدة، مسائلة المؤسسات عن تشغيل العاطلين،  سؤال كل فرد عن حقه في الحياة اولا ومعها حقه في الماء والطعام والعلاج والعمل والسكن والحرية. 
حينما يشتبك ناشطي التغيير ومؤسساتهم مع المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية من اصغر المؤسسات في الحلة والفريق لأكبرها  على مستوى الدولة في هذه المسائلة والمفاوضة والمساومة اليومية والمستمرة، في هذه الرقصة الملحمية التي قد تتراجع فيها الخطوات وتلتف ولكنها لا تغير وجهتها النهائية، حينها ستبدأ شروط التغيير الشامل في التراكم والتحقق.

الاثنين، 1 مايو، 2017

مجتزأ دراسة الواقع السوداني

من يطلق عليهم الهامش في الادبيات الحديثة في السودان هم اعضاء في مؤسسات ما قبل رأسمالية ويتحركون باوامر البرجوأقطاعيين في الهامش لنيل نصيبهم من الكعكة ضد برجواقطاعيي المركز، وهم ليسوا داخلين في تصنيفات نمط الانتاج الراسمالي  والذي على اساسه تم تقسيم القوى الفاعلة والتي تسعى لتحقيق برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية من قبل الحزب الشيوعي السوداني (ببساطة لان نمط الإنتاج في السودان  ليس رأسمالي وانما نمط انتاج برجواقطاعي هجين قسره الاستعمار وحافظت عليه الحكومات الوطنية)، وانما يدخلون (كما بينت في كتابات سابقة) في نمط انتاج ما بعد الإستعمار وهو نمط انتاج قسره الإستعمار يحافظ على علاقات الإنتاج الإقطاعي القديم والمؤسسات القديمة وتركب على قمتها المؤسسات الحديثة بما فيها جهاز الدولة كأدوات سيطرة ونهب. 
في المؤسسات القديمة يوجد رعاة ومزارعين واصحاب حرف ولكنهم ليسوا حتى احرار (شكلياً) لبيع قوة عملهم كما في المؤسسات الراسمالية حتى نسميهم عمال ومزارعين، ولكنهم مجبورون لبيع قوة عملهم لأسر سادة المؤسسات القديمة (العشيرة والقبيلة والطائفة والطريقة الصوفية) والنظام الإجتماعي الإقتصادي يكبل حركتهم في الإنتقال الحر من مؤسسة لمؤسسة ومن عمل لعمل، ولهذا هم اقنان كما في النظام الاقطاعي. هذا التأثير يمتد بفعل التهجين الذي قسره الإستعمار واستمر بفعل الحكومات الوطنية حتى للمؤسسات الحديثة ومؤسسات الدولة فهى تدار بنفس عقلية وعلاقات انتاج القبيلة والطائفة والطريقة الصوفية.
 ما اقوله أن نمط الإنتاج السائد هو نمط هجين مصنوع اسميته نمط انتاج ما بعد الإستعمار او نمط الانتاج البرجو اقطاعي، ولتغيير هذا النمط لابد من اعادة هيكلة كل المؤسسات القديمة والحديثة في الدولة لتحقيق الحريات والتي ستسمح بحرية حركة العامل والمزارع والراعي والحرفي وبموازاة حرية العمل لابد من تحقيق الحريات الفردية والقضاء على التراتب العنصري القداسي الديني والابوي الذي يحدد نصيب الفرد والجماعة في علاقات انتاج نمط ما بعد الاستعمارفي السودان. الطبقة العاملة في هذا النمط هى واحدة من الطبقات المهمشة ولكنها ليست الطبقة القائدة للتغيير في زعمي، لانها ضعيفة العدد ومخترقة بالانتماءات القبلية والطائفية، وفي زعمي أن التغيير لدولة برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية ستقوده الطبقة البرجوازية.