الخميس، 28 أبريل، 2016

صراع الهويات


الهوية هى تعبير متعدد الأبعاد عن الفرد والجماعة في مواجهة الآخرين أفراداً وجماعات.

الهوية مركبة وويمكن أن يتم تفكيكها لوحدات لا نهائية، فمثلاً هناك سوداني(هوية وطنية)، دنقلاوي(هوية عرقية)، خريج جامعة الخرطوم(هوية مؤسسة تعليمية)، من السليم (هوية جغرافية)، ذي ثقافة عربية إسلامية(هوية ثقافية) ...الخ ..الخ. الهويات الجزئية داخل الهوية المركبة قد تتناقض، و يظهر هذا التناقض بوضوح عند الصراع بين جماعتين كل منهما تتبنى إحدي الهويات الجزئية كأداة للصراع.
الهوية المعينة تظهر دون سواها من الهويات في الهوية المركبة كإستجابة لتحدي خارجي سواء إن كان يمثل تهديداً أو نفعاً.
الهوية تعبير عن إنتماء لجماعة ما ، بدأت مع بزوغ فجر الإنسانية والمؤسسات الإجتماعية الأولية وتميز بين نحن وهم.
الهوية غير إنها ترسم ملامح الجماعة وتحدد الحدود بينها وبين الآخرين، فمحتواها المادي هو مصالح الجماعة المعينة في الصراع الإقتصادي الإجتماعي، ولكل جماعة نخبة تعمل على صيانة وإعادة إنتاج اسطورة الجماعة بواسطة مؤسساتها، وبذا يتعاظم نصيب الجماعة وبالتالي النخبة من الميزات والناتج الإقتصادي للمجتمع.
الهوية هى تعبير (ذاتي) عن الجماعة، يمدحهم بكل الصفات الحميدة التي يظنون إنها تشبههم، والهوية تكون مدعومة بأسطورة الجماعة التي تحكي القصص التاريخية والتجارب التي تؤكد هويتهم وإتساقها والتي بموجبها نالوا مكانتهم عبر التاريخ.
الهوية الكبرى التي تحتوى كل الهويات الجزئية تسود في حالة التهديد الخارجي للجماعات التي تضمها هذه الهوية، ولكن في حالة الصراع الداخلي تنحاز كل جماعة للهوية الجزئية وترفعها علماً في المعركة.
الهوية تبنيها وتصينها وتخلق أسطورتها وتدافع عنها المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية، لأن الهوية تساهم في إنتاج وإعادة إنتاج نصيب المؤسسة من الناتج الإقتصادي في المجتمع بل وتسهم في إقناع أفرادها والمجتمع بضرورة وجود وإستمرار المؤسسة.
الكلام دا كلو كتبتو عشان داير أصل لي كلام محدد:
(صراع الهويات لا ينتهي وأبدي ودائم، ولذا من يتبناه كرؤية للصراع يتبنى رؤية لن توصله لأي حل. قل أن الهويات المسودة إنتصرت في الصراع، غداً ، بل الآن وفي خضم الصراع ستنقسم هذه الهويات لهوياتها الجزئية وفيها هويات سائدة وهويات مسودة، وهكذا الى ما لانهاية، ولن تنتهي الحرب أبداً).

صحيح إن من يستخدمون الهوية في قهر ونهب وتقسيم الشعوب خطر على مصلحة العيش المشترك بين مجتمعات الشعب السوداني، خطر على بقاء الدولة السودانية. ولكن بالمقابل من يستخدمون الهوية لمحاربة هؤلاء يقعون في فخ القاهر والناهب، لأن هويتي مقابل هويتك ليست الحل، بل الحل أن نرفع هويتك وهويتي الجزئية لهوية أعلى تستوعبنا جميعاً، وأن نحارب القاهر الناهب معاً، ونصلح الدولة والمؤسسات التي تتيح الإستعلاء العرقي والديني والإقتصادي، التي تتيح الإستعلاء الهوياتي. 
حل مشكلة الهويات هو في الأساس حل لمشكلة الدولة والمؤسسات الموجودة في نظامنا الإقتصادي الإجتماعي. بدولة المواطنة يتم رفع صراع الهويات الجزئية للإندماج في الهوية الكلية، وبتفكيك وتركيب المؤسسات الإقتصادي الإجتماعية وإتاحة الفرصة لأي سوداني أراد الإنضمام لها أن يفعل، وتحويلها من مؤسسات مغلقة لمؤسسات مفتوحة لجميع السودانيين، وبالعلمانية تبعد الدولة نفسها من الإنحياز لرؤية دينية او ثقافية وتعامل مواطنيها بالتساوى وتترك الصراع ليدور سلمياً في المجتمع، وبالإقتصاد ذي التوجه الإجتماعي الذي يحقق العدالة، ويرفع عن المواطن مشكلة الفقر والجهل والمرض والجوع والعطش والسكن، ويحقق له القدر الإنساني من الرفاه .
ومن بعد، هل سينتهي صراع الهويات، وهل سنتوحد في هوية جامعة؟ لا بالطبع، فكما ذكرت أعلاه ، الهوية مركبة ولا نهائية وتعبر عن مصالح الجماعات والمؤسسات الإقتصادية الإجتماعية في المجتمع وتظهر الهويات الجزئية في خضم الصراع الإجتماعي الإقتصادي، لذا لن ينتهي صراع الهويات، ولكنه سيكون صراع سلمي ديمقراطي.


الاثنين، 25 أبريل، 2016

سيد الرساميل التلاتة، عديله لي

الرأسمال الإجتماعي العرقي الثقافي، رأسمال القداسة ، والرأسمال الإقتصادي، الثلاثة ديل هم البي يحددوا مركز الفرد والجماعة في سلم التراتب الإقتصادي الإجتماعي في السودان وبي يحددوا حظوظ الفرد والجماعة في الترقي لمراكز السلطة في السودان، وبي يحددوا حصة الفرد والجماعة من فوائض إنتاج المجتمع. 
مراكز السلطة والجماعات والفئات المسيطرة هدفها في النهاية إقتصادي، المال والميزات الإقتصادية، ولكنها لإستدامة سلطتها وعشان تقعد محكرة فوق روسين الناس، لابد من أن تبرر تدعم وتموه وتخدع الناس عن حقيقة سلطتها وسيطرتها بطريقة تفكير تجعلها سائدة وتخضع لها عقول الكل ، السائد والمسود.
 أها طريقة التفكير الأنتجتها الفئات والجماعات الناهبة والقاهرة في سودانا دا مبنية على تقسيم الناس تبعاً للإجتماعي/العرقي/الثقافي، وتبعاً للقداسة الدينية وتبعاً للمكانة الإقتصادية. وبعد أن قرّ هذا التقسيم في عقول الناس منذ القدم وأصبح التعامل به سائداً في الريف والحضر، وأصبح يتدخل في كل أمور السودانيين من زواجهم وعملهم وحلهم وترحالهم، بقا نهب الفئات الأعلى عرقياً وثقافياُ، الأعلى قداسةً دينية والأعلى مكانة إقتصادية، نهبهم بقا يبرر له بالحكم والأمثال وبالدين وبالسائد في المجتمع.
صحيح الهدف هو المال والميزات الإقتصادية وإستمرارية المكانة الإجتماعية/الدينية/الإقتصادية التي تتيح المال والميزات الإقتصادية، ولكن الوصول لهذا يمر عبر تدجين عقول الناس بطريقة تفكير ترسخ للناس التراتب العرقي/القداسي/الإقتصادي وتجعله من طبيعة الأشياء، وبذا وبتلقيننا نحن طواعيةً لأطفالنا البديهيات وطبائع الاشياء، فإننا نلقنهم هذا التراتب الإجتماعي، ونعيد إنتاج مجتمعنا التراتبي المشوه، ونسمح للناهبين القاهرين أن يفلتوا من باب أن هذا التفاوت من البداهات ومن طبائع الأشياء.
وعشان كده ما يكفي إنو نقوم نفضح القاهرين والناهبين أو نصل لحدي أسقاط سلطتهم وبس. لازم نمشي أبعد ونفضح طريقة التفكير السائدة البتمكن لي ناس زي ديل، ونزيل الأسباب البتخلي التراتب في المجتمع مبني على العرقي/القداسة الدينية/الإقتصادي قدر الإمكان، وزي ما بنسعى نوزع الرسمال الإقتصادي على السودانيين، برضو نوزع الراسمال الإجتماعي العرقي، وراسمال القداسة عليهم، عشان مافي زول او فئة او طبقة عندها حصة كبيرة من الرساميل دي تاني تجي تتسلط على السودانيين.
عشان يكون في دولة معافاة ومستعدة للتقدم وللتطور لازم نعيد تقسيم هذه الرساميل على كل أفراد المجتمعات السودانية قدر الإمكان بحيث تتساوى حقوقهم في الفرص الإجتماعية والدينية والإقتصادية. لتقسيم الرأسمال الإجتماعي/العرقي/ الثقافي لابد من أن نحقق دولة المواطنة التي تكون الحقوق فيها مبنية على الجنسية السودانية*. لتقسيم رأسمال القداسة الدينية لابد من أن تقف الدولة على مسافة واحدة من حرية الإعتقاد للأفراد والجماعات في المجتمع وحقوقهم في التبشير بمعتقداتهم، وتقسيم الرأسمال الإقتصادي يكون بإقامة دولة الرفاه الإجتماعي التي تضمن لكل فرد وجماعة الحقوق الإقتصادية والحد الأدنى للعيش بكرامة وتحرر الإنسان السوداني من الجهل والفقر والمرض .
عشان نحقق التغيير دا لازم نعمل على تغيير التراتب العرقي والقداسي والاقتصادي في مؤسساتنا القديمة القبيلة والطريقة الصوفية وفي مؤسسات الدولة والمجتمع المدني ونفتح هذه المؤسسات للديمقراطية والعدالة والمواطنة.
وعشان عيون اطفالنا ما تضوق الهزيمة :) . 

* الجنسية السودانية التي تتوافق مع حقوق الإنسان وتلبي حقوق المواطنة.


الاثنين، 18 أبريل، 2016

القبيلة، الطريقة الصوفية والحداثة مرةً أخرى


فكرتين بسيطات بي يقودن معظم افكاري عن الواقع السوداني:
1- إنو صراع هامش/مركز هو في حقيقته صراع برجوطائفوقبليين الهامش المهمشين ضد برجوطائفوقبليين الهامش المتحالفين مع برجوطائفوقبليين المركز. وهذا الصراع لا يقصد وليس من همومه تغيير مؤسسات الهامش وبنية المجتمع نحو الحداثة وإنما همه قسمة السلطة والثروة مع المركز أو الإنفراد بالهامش لحكمه بنفس طريقة حكم المركز القديمة.
(برجوطائفوقبليين قمت بنحتها من برجوازيين - طائفيين -قبليين، وهى طبقة صنعها الإستعمار عن طريق القهر والمصالح بإستخدامه لآلة الدولة الحديثة وتركيبها فوق مؤسسات الإقطاع وبالذات القبيلة والطائفة).
2- لإصلاح حال النظام السوداني لابد من إحداث تغيير جدلي في المؤسسات المكونة له، وهذا التغيير يشمل تغيير البنية المادية نحو الحداثة بإحداث فصل بين الأسر التي تتوارث الزعامة والقيادة وبين المؤسسات، وفي بنية الوعي السائد نحو الديمقراطية والحقوق والحريات. وهذا التغيير يشمل مؤسساتنا القديمة (القبيلة والطريقة الصوفية)، ويشمل المؤسسات الحديثة سواء كانت من مؤسسات الحكم(الجيش والشرطة والأمن، القضاء، الإعلام، التعليم) أو الأسرة أو مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب.

السائد أن يتحرك حزب أو مجموعة لفرض رؤاها عن طريق السلطة، وإن تمت إزاحتهم حتى وإن بعد زمان طويل تتحرك الرؤى الكامنة في المجتمع والمضادة لرؤاهم لإجتثاث رؤيتهم، بل وتتحرك البنى السائدة لتدجينهم وتحويلهم وهم في عز سلطتهم، كما حصل مع مايو وكل الأنظمة العربية والأفريقية التي تحرك فيها صغار الضباط وإستلموا السلطة في الستينات والسبعينات، وإنتهوا كما بدوا ، بنفس المشاكل والأزمات. حتى تركيا وتونس للمراقب الحصيف سيرى أن التغيير فوقي وهش لانه تم بالسلطة وقابل للإزاحة تجاه حركة مضادة صبورة.
الصعب أن يدير المستنيرون المعركة داخل مؤسساتهم مع جماهير مؤسساتهم الحديثة والتقليدية ، وأن يتم تحويل هذه المؤسسات بواسطة جماهيرها لمؤسسات تراعي الحقوق والحريات وتعمل بالديمقراطية.

لابد من النظر للنظام الإقتصادي الإجتماعي بصورة كلية، وإدراج كل المؤسسات المكونة لنظامنا في خارطة التغيير، وترتيب العلاقات بين مراكز السلطة وبين جماهير واتباع هذه المؤسسات، بحيث يكون لهم دور لإتخاذ القرار داخل هذه المؤسسات، ويكون لهم الحق في تولي القيادة في هذه المؤسسات، وحق في الإصول والأموال التي تتداولها هذه المؤسسات والأسر التي تمسك بزمامها، لابد من أن نعترف بالمؤسسات التقليدية كمكون أساسي في نظامنا الإقتصادي الإجتماعي ونحدد علاقتها بالمؤسسات الأخرى في الدولة.
في تلاتة مواقف (ما لازم) نعملهم للبنى التقليدية(القبيلة، الطريقة الصوفية، أحزاب الطوائف)
 1- إنو نجرم أعضاءها وننعتهم بالتخلف.
 2- إنو ندخل فيها بغرض تثويرها.
 3- هدم هذه المؤسسات وإجتثاثها بقوة السلطة.
 الموقف الصحيح إنو ندعم عضويتها المستنيرة ونقف مع مطالب وحقوق جل عضويتها المهمشين ومطالبهم، ونشتغل على تحليل هذه المؤسسات ونقدها والتفاوض مع مراكز السلطة فيها للوصول لحلول لمشاكل تشوه النظام الإقتصادي الإجتماعي. هذه المؤسسات يغيرها أعضاؤها وما علينا إلا دعمهم. 
هناك من ينادون بالتغيير بالتنمية، وإدخال الإقتصاد التقليدي للسوق الرأسمالي دا كان شعار يسار دول العالم الثالث في الستينات والسبعينات ولا زال شعار كثير من المثقفين، وغلطو الأساسي إنو ما بركز على الإنسان في النظام الإجتماعي الإقتصادي ولا على المؤسسات الإقتصادية الإجتماعية القائمة ولا على نمط الحياة. يعني مثلاً الرعاة: المفروض ما نقوم طوالي نكورك إنو عشان يكون في حداثة عندهم لازم نوطنهم ويكونو مقيمين غير رحل، لا المفروض نستشيرهم ونساعدهم في بناء نهضة إقتصادية ضمن نمط حياتهم، إذا التغيير دا أدى في النهاية لي إنو يتوطنوا ليه لا؟ لكن منو القال إنو التنمية والنهضة لازم تكون على حساب الإنسان والمجتمع ونمط الحياة والثقافة والطقوس والعادات المتوارثة من ملايين السنين؟ ومنو القال إنو لا يمكن بناء حياة حديثة بنمط الترحال والتنقل؟ طبعاً حكوماتنا ومنذ الإستقلال عندها برامج فاشلة إسمها توطين البدو الرحل، قاتلة للمال ولإنسان مناطق البدو في السودان، وبرضو لو عارفين مصانع نظام مايو الوزعها على السودان بدون مراعاة نمط الحياة ولا الإقتصادي الإجتماعي ومؤسسات المجتمع التقليدية. وطبعاً فشلت كلها. التنمية يصنعها الإنسان بمؤسساته في مجتمعه ومحيطه ونمط حياته لتفي بإحتياجاته وتطور مجتمعه، لا بأن نهدم الإنسان القائم والمؤسسات القائمة والمجتمع لنأتي بإنسان غريب على البيئة والمجتمع القائم.
أنا قلتا إنو مجتمعاتنا مصابة بخلل هيكلي سببه الإستعمار بدمجه (آلة الحداثة) الدولة الحديثة مع وفوق مؤسساتنا التقليدية في نظام إقتصادي إجتماعي واحد، وده المسبب كل الشروخ والتشظي في مجتمعاتنا السودانية. الحاجة التانية أنا ما منادي بالإنغلاق ولا السلفية ولا الماضوية، انا بنادي بإستيعاب كل ماهو موجود (في الواقع) في نمط الحداثة البحاول نحققه، لانو إغماض العين عن المؤسسات التقليدية وتجاهلها، أو إصدار الأوامر السلطوية بإزالتها من الوجود لن يحل مشكلتنا. الحل أن نفتح عينينا الإتنين ونشوف الواقع فيهو شنو حقيقةً ونتعامل معاه. وأخيراً انا منفتح وأدعو للإنفتاح تجاه كل الأفكار من الشرق والغرب ، حديثها وقديمها والجدل معها حتى نستطيع رؤية العالم وواقعنا بأكثر من منظور، لانو زي ما اليد الواحدة ما بتصفق، الرؤية الأحادية ما بتشيف، ما رفضته هو إستيراد المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية ومحاولة زرعها في واقعنا، لانو المؤسسات دي آلات وليست أفكار، وهى مثل الأشجار يجب أن تزرع بذورها (الأفكار المشكلة لها) لكي تنمو متوائمة مع البيئة الإجتماعية الإقتصادية في السودان، لا أن تستورد آلة مكتملة الصنع صنعت خصيصاً متوائمة ومطابقة لمواصفات مجتمع آخر. 
باقي النقاش تجدونه هنا:
القبيلة، الطريقة الصوفية والحداثة 

الثلاثاء، 12 أبريل، 2016

كيف نرى القضايا ؟

"جامعة الخرطوم مثالاً"
 
المعركة بالتحديد هى: معركة بيع ممتلكات الشعب السوداني بواسطة سماسرة النظام.

حولوا الإقتصاد لي إقتصاد ريعي يعتمد على بيع الإصول، وإقتصاد خدمات ، يعتمد على الخدمات المالية والتجارة والإتصالات. وليس هناك من إنتاج زراعي فمشروع الجزيرة تم تحطيمه ونهب ممتلكاته، وليس هناك من وسيلة نقل رخيصة تغطي البلد فقد تم تحطيم السكة حديد، وليس هناك من صحة فقد تم بيع المستشفيات. معركة بيع جامعة الخرطوم تنتمي للمعركة أعلاه. ولكني أراها كل يوم تتحول ل ‫#‏معركة_هويات_قاتلة‬ ، وهذه مشكلة كبيرة.
من يقولون أن خريجي جامعة الخرطوم متعالين على الآخرين ويحتلون بفعل هذه الهوية مرتبة أعلى في المجتمع بغير حق أقول: إن الجامعة جامعة الشعب السوداني، ومشكلة التراتبية الإجتماعية بفعل الهوية يمكن حلها فقط إذا حافظنا على ممتلكات الشعب.
من يقولون أن جامعة الخرطوم ليست أغلى من الإنسان الذي يموت، ولا من باقي ما تم نهبه، أقول: أن السودانيين والسودانيات هم وممتلكاتهم معركتهم نفس المعركة فلا تجزأوها، يمكن أن تكون ضد الحرب والموت المجاني، وضد نهب المستشفيات وأراضي الأهالي الزراعية، وأيضاً ضد بيع جامعة الخرطوم، كلها نفس المعركة.
من يقولون أن الجامعة إرث إستعماري: أقول لهم: إن ما يجب تصفيته من إرث الإستعمار هو الإستعمار الثقافي، ولكن الأدوات التي خلفها الإستعمار ومنها مؤسسات الحكم والشرطة والجيش والتعليم والقضاء والصحة وغيرها، كلها أدوات تشتغل بطريقة التفكير السائدة في البلد، فلنغير طريقة التفكير فتصبح كل الدولة وطنية ومنعتقة من الإستعمار.
من يقولون أن خريجي جامعة الخرطوم يحتكرون المعركة ويطلقون شعارات كأن جامعة الخرطوم ملكهم وكأن جامعة الخرطوم أهم مافي الوطن، اقول لهم: أنتم تفهمون انها من ممتلكات الشعب وبيعها بيع لممتلكات الشعب، لذا المعركة ليست معركة خريجي جامعة الخرطوم، إنها معركتك ومعركة الشعب.
كنت دائماً ما اريد أن اكتب عن الهوية ويبعدني إنشغالي، ولكن هذا اللغط، والإختلاط المفاهيمي الآن هو خير شاهد على كيف تتحول معركة واضحة وتتم إزاحتها من مجال معارك الحقوق، لتصبح #معركة_هويات_قاتلة. وهل جامعتي أحسن أم جامعتك، ودا طبعاً ما صراع ساذج، لانه صراع يحدد التراتب والمصالح على هرم الإجتماعي الإقتصادي، صراع غير ساذج ولكنه أناني أو ضيق الأفق، لأنه لا يرى الصورة الكبيرة: معركة سرقة ممتلكات الشعب، والذي هو من له الحق أن يصيغ الجامعة ودورها كما يشاء، فقط إن بقيت له جامعة الخرطوم.

الأحد، 10 أبريل، 2016

جدل

- مهداة لأبوبكر الأمين

في غسقٍ ثقلت نجومه
فَنَزَلت قليلاً وبدت كمن تضاحكنى
وهلة أن أعبر الشارع في الظلمة المتهافتة

ربَّت على كتفي فجأةً فأمتلأتُ
بالوجه الأخدر الودود
 بشلوخه المطارق وسبحة اللالوب
والجبة الخضراء
كنا أنا وهو في اللحظة، ثم تتفلت من يدي،  تتجزأ للحيظات تتجزأ ... فألتفتُّ
(خلفي ملايين الأنا
ميتون ثم ينازعون، ثم يحاولون التشبث، وخلفي تماماً
أنا مرعوب بما يشده للوراء وبرؤيته لي وانا اولد من جديد)
لحظةٌ ثم تهاوت، وتبدت لي العتمة وهياكل الأشجار وخيط الضوء
ينبت في البعيد
ليس ثمة من سبحةٍ ولا جبة خضراء ولا الوجه الودود
ليس إلا السماء وقد ثقلت نجومها فنزلت قليلاً وبدت كمن تضاحكني

 وأنا  إذ أموت،وإذ أحمل من ذاتي القديمة
وأنا إذ أولد من جديد

منظمات العمل الطوعي، قف تأمل !

أحب أن أنوه في بداية مقالي أنني من المنادين بضرورة العمل الطوعي ومنظمات المجتمع المدني بشكل عام، ورأيي أن لها دور عظيم يتداخل مع ويكمل عمل الدولة وعمل الأحزاب السياسية ولا يناقضه ولا يخصم منه. وإن كان هناك من يجأرون بأن العمل الطوعي يخصم من زخم تقدم التغيير الإجتماعي فلهم أقول أن هذا دليل على تراجع عمل الأحزاب والمنظمات السياسية أكثر منه سرقة لدور هذه الأحزاب والمنظمات بواسطة العمل الطوعي. 
المنظمات الطوعية، الأحزاب، مؤسسات التغيير وأي مؤسسات داخل المجتمع إما أن تشتغل بشروط النظام الإجتماعي الإقتصادي وبي كدا ما بتختلف من المؤسسات الموجودة ، مؤسسات البرجوازية القبلية والبرجوازية الطائفية، أو ضد شروط السائد لتغييره، وعشان تكون كدا لازم تكون في حالة إنتباه دائم للوعي الذي تنسجه وللمادي الذي تغيره.
النقد البتقدم لبعض منظمات العمل الطوعي (والبي تتلقا دعم أجنبي لي برامجها):
1- إنها مخلب قط للرأسمالية العالمية واللبرالية الجديدة وما بعد الحداثة، وإنو عندها أجندتها المعادية لمجتمعاتنا.
2- إن الموظفين الأجانب والمحليين ومن أجل إستمرارية المنح والعطايا والحياة المرفهة التي توفرها لهم هذه المنظمات فمن مصلحتهم إستدامة المآسي التي يعملون عليها وتضخيمها بل ووصناعتها إن لم تكن موجودة.
3- هذه المنظمات لا تعمل بطريقة تضامنية لخلق حافز لكي تنشط وتنهض المجتمعات المحلية بمسؤولياتها، ولكنها بإدخالها نهج العطاء والمنح تدمر هذه المجتمعات وحوافز حركتها الداخلية وتجعلها معتمدة على الأجنبي.
4- هناك فئات تم صناعتها في المجتمع السوداني (من اليسار واليمين) تابعة ووكيل ومروجة لقيم الرأسمال العالمي وبما أن هذه الفئات واسرها مستفيدة من هذا الوضع فإنها تعمل بشراسة للدفاع عنه وإستدامته.

طيب الكلام قد يكون صحيحاً لمنظمات كثيرة ومنها منظمات الأمم المتحدة، لكن مشكلتو إنو بهمل حاجة مهمة: إنو هناك عنف بنيوي في هيكل المجتمعات السودانية، وأن لهذا العنف ضحايا، وأن هذه المنظمات تقدم ,وبأجندتها أعلاه العون لهؤلاء الضحايا، وهذا الهجوم الشرس والعنف من النظام الإقتصادي الإجتماعي السوداني والذي تتسابق الرأسمالية العالمية لإقتناصه وتحويله لمصلحتها، لا يجب أن يقابل  بالآراء التي تطالب برفض وطرد هذه المنظمات، وإنما يجب أن يقابله الإعتراف بالضحايا، الإعتراف بالعنف البنيوي في هيكل مجتمعاتنا ودراسته وتحليله وإقتراح حلول قصيرة وطويلة المدى، وأهم شئ أن تكون هناك (منظمات وطنية) تقدم الدعم والمشاركة والعون والتدريب لمجتمعاتنا كي تتجاوز أزماتها، وأن تكون هناك قوانين ومراقبة ومراجعة للدعم الأجنبي وشفافية في نشر قوائم المنظمات وبرامج عملها وإنجازاتها على الأرض، وأن يرفض أي دعم غير مربوط بالأهداف الإستراتيجية للتغيير في مجتمعاتنا أو يحيل لمصالح الرأسمالية العالمية (الغير مطابقة لأجندتنا الوطنية، المطابقة ما فيها مشكلة).
بالنسبة لمن يعملون في هذه المنظمات، هناك معركة الخارج ضد الرأسمال العالمي وإستغلاله للشعوب عبر مؤسساته العالمية، وفي معركة الداخل مع البرجوازية- الطائفية والبرجوازية-القبلية عبر مؤسساتهم الداخلية. المعركتين المفروض نخوضهم وفي نفس الوكت ما مفروض الزول ينفض يده من مؤسسات الخارج لحدي ما المعركة تنجلي، ولا مفروض ينفض يده من مؤسسات الداخل لحدي ما المعركة تنجلي، ببساطة لانها في الحالة الأولى ملك للإنسان والإنسانية وملك للمواطنين في الحالة الثانية.

لا أطالب بالإتساق مع الضمير العالمي والقيم الأوروبية ,ولا أدعو لتغريب السودان، ولكن هل المشكلة في التسميات، هل المشكلة خلقتها المنظمات؟  ما ضروري نسميها Genocide عشان تكون عندنا مذابح، وما بالضروري نسميها child abuse عشان يظهر عندنا عنف ضد الأطفال، وما بالضروري نسميها Harassment عشان يظهر عندنا تحرش، الحاجات دي قاعدة بالكوم عندنا وسببها الرئيسي (داخلي) من عنف النظام الإجتماعي الإقتصادي السوداني، الرأسمالية تستغلها ما تستغلها ، الحاجات دي موجودة، يبقا لازم نعترف بيها ونعالجها، وأكان غلبنا نطلب المساعدة لحلها ولكن ضمن أجندتنا لا بأجندتهم قدر الإمكان. إنكار هذه الوقائع هو مشكلتي.
  أنا دائماً ما أحاول أن آخد جانب الضحايا، إذا كانت هناك مضار لبعض المنظمات الأجنبية والتي تتلقى الدعم الأجنبي، فلها مزية كبيرة، إنها تقف مع الضحايا والمنتهكين، إذا نحن ما قادرين نقيف مع ضحايا نظامنا الإجتماعي الإقتصادي فعلاً لا تضامناً قولياً، فالأحسن أن تقف معه هذه المنظمات، ونمسك خشمنا علينا.
أوجه أصبعي نحونا، نحن من تركنا ثغرة تحتاجها المجتمعات السودانية، ومن بعد قمنا بالصراخ على من ملأ ذلك الفراغ.
ما يهمني أن لا ننسى ضحايا الإنتهاكات السودانيين والسودانيات في غمرة الهجوم على الأجنبي الرأسمالي النيولبرالي.
ما يهمني : ماذا قدمنا لضحايا الإنتهاكات السودانيين والسودانيات، وماذا سنقدم لهم.


 * الأجندة الوطنية هى التي تحافظ على حقوق وحريات السوداني والسودانية من القهر والنهب الأجنبي

الاثنين، 4 أبريل، 2016

هل السودان دولة رأسمالية ؟

بوضوح شديد: السودان (ما) دولة رأسمالية، السودان (دولة ما بعد إستعمار)، والإقتصاد الفيها إقتصاد ما بعد الإستعمار، وعلاقات الإنتاج الفيها علاقات ما بعد الإستعمار، وإختلاط المؤسسات مابين قديمة وحديثة، وإختلاط الأنماط الإقتصادية ما بين تقليدي وحديث، وإختلاط طريقة التفكير السائدة ما بين ليبرالية وابوية وصائية دا كلو ناتج من إنو السودان دولة ما بعد الإستعمار ، حيث تم تشويه النظام الإقتصادي الإجتماعي وتم تشويه طرق التفكير في السودان بواسطة الإستعمار،ومنذ حينه أصبحت المنظومة السودانية شبه عاجزة عن التطور الذاتي وأصبحنا مسجونين في حلقة الفشل الدائرية.
على المستوى العالمي نعم هناك قهر وتهميش ونهب من الرأسمالية العالمية، على المستوى المحلي انا بقول إنو العنف والنهب والقهر والتهميش ناتج من نمط إنتاج ما بعد الإستعمار والذي تتداخل فيه سمات نمط الإنتاج الإقطاعي ونمط إنتاج الرأسمال، وإنو النهب والقهر والتهميش في الداخل بسبب هذا النمط وعبر مراكز السلطة البرجوقبلية و البرجوطائفية*، وهم أيضاً يلعبون دور الوسيط والوكيل للرأسمال العالمي. بغير إدراك هذه الحقائق، ودراسة الواقع الحقيقي على الأرض لا الإنطلاق من الأيدولوجيا للايدولوجيا سواء يسار او يمين، بغير الحفر في الإقتصادي الإجتماعي السوداني، بغير الحفر في حياة السودانيين، لن يحدث شئ.

كنت دائماً ما انعى على كارل ماركس إنه يعتبر "الإستعمار" تمديداً لنمط الإنتاج الرأسمالي (وهذا يستبطن نشر الأمة الأوروبية للحداثة وسط البرابرة). وكنت بقول إنو الإستعمار بي يحدث قطع في تطور المنظومات الإجتماعية للشعوب وبي يقهر فيها نمط مصنوع من أنماط الإنتاج، وسميتو (نمط إنتاج دولة ما بعد الإستعمار).
ومن البديهي إن أقول أن نمط الإنتاج الرأسمالي والسوق الرأسمالي هو المسيطر على العالم، ولكنه ليس سائداً في كل المجتمعات. إقتصادنا(نمط مابعد الإستعمار) وسوقنا ومراكز السلطة البرجوطائفوقبلية المسيطرة على مجتمعاتنا تلعب دورالرابط، التابع والوسيط للرأسمال العالمي، ولذا يقع على المجتمعات السودانية قهر ونهب مزدوج، قهر ونهب (مراكز السلطة في مجتمعات ما بعد الإستعمار)، وقهر ونهب الرأسمال العالمي عبر الوسيط المحلي "التحالف البرجوطائفوقبلي" .
في نمط إنتاج مابعد الإستعمار، هناك مراكز السلطة البرجوطائفية وبرجوقبلية والتي تستغل التحيزات الدينية والتحيزات العرقية والتحيزات الإقتصادية لإستدامة سيطرتها، ومن ثم تتراتب المجتمعات حسب قربها أو بعدها من هذا المركز، فأصحاب النسب الشريف والقداسة الدينية والمال هم في سنام الطبقة البرجوطائفوقبلية، ومن ثم يتبعهم الباقون، وفي القاع يقبع المهمشون من عمال وأصحاب الحرف والمهن الهامشية ، وصغار المزارعين، والعساكر(الجنود)، والأتباع في القبائل والطرق الدينية، وأدنى سلم التراتب الإقتصادي الإجتماعي هم الأدنى في سلم التراتب العرقي، الديني والإقتصادي. 
هناك دول كانت مستعمرة وتحررت وتقدمت، لذا في رأيي أن تقدم دول ما يسمى (بالعالم الثالث) ونحن منها، ومعظمها يسيطر عليها نمط إنتاج (مابعد الإستعمار)، أن تقدم دول العالم الثالث ليس رهناً بحل مشكلة الرأسمالية العالمية بالرغم من ثقل ووزن هذه المشكلة الهائل وواجب العمل على حلها ضروري ودائم،  إن تقدم دول العالم الثالث ونحن منها رهين بتجاوز التشوهات والهجنة التي أحدثها الإستعمار بصناعته لنمط ما بعد الإستعمار في بلادنا.
  (
* برجوازية - قبلية، وبرجوازية- طائفية)
أقول، كنت دائماً ما انعى على كارل ماركس إنه يعتبر "الإستعمار" تمديداً لنمط الإنتاج الرأسمالي لكن الليلة وانا بحفر في الموضوع تاني إكتشفت إنو كارل ماركس عندو في المسألة دي تلاتة خيارات :
1- أن يسود نمط
إنتاج المُستَعمِر.
2- أن لا يتدخل المُستعمِر في نمط إنتاج المجتمعات المُستعمَرة ويكتفي بجباية أو جزية على الدولة ككل.

3- أن يحصل تداخل في أنماط الإنتاج ما بين المُستعمَر والمجتمعات المستَعمَرة وينتج من ذلك نمط إنتاج هجين.

  (In the trivial form, however, in which these questions have been raised above, they can be dealt with quite briefly. Conquests may lead to either of three results. The conquering nation may impose its own mode of production upon the conquered people (this was done, for example, by the English in Ireland during this century, and to some extent in India); or it may refrain from interfering in the old mode of production and be content with tribute (e.g., the Turks and Romans); or interaction may take place between the two, giving rise to a new system as a synthesis (this occurred partly in the Germanic conquests). In any case it is the mode of production – whether that of the conquering nation or of the conquered or the new system brought about by a merging of the two – that determines the new mode of distribution employed. Although the latter appears to be a pre-condition of the new period of production, it is in its turn a result of production, a result not simply occasioned by the historical evolution of production in general, but by a specific historical form of production)
Karl Marx: Critique of Political Economy