الأربعاء، 17 أغسطس 2016

السودان: الأيدولوجيا في نمط إنتاج ما بعد الإستعمار



**إعادة كتابة وإدماج لثلاث مقالات**

 -1-
                      
ماذا تعني  لك كلمات مثل:"ود بلد"،"مسلم"،"طبقة"،"عربي"،"ود غرب غرابي"،"الله"، "الزعيم"، "رطانة"،"لونا سمح"، قبيلة، مثقف، ود اصول، خواجه، ...الخ ؟.
ببساطة هذه الكلمات غير إنها رموز لغوية مكتوبة أو منطوقة فهي أيضاً وحسب فهمك لها تشف عن جانب من طريقة تفكيرك (الأيدولوجيا). إنها ليست فقط رموز لغوية ولكنها أيضاً رموز أيدويولوجية. فما هى الأيدولوجيا ؟
يمكن تعريف الأيدولوجيا (طريقة التفكير) بإنها ترميز الوجود في الذهن وربط هذه الرموز بعلاقات إدراكية ومن ثم إلباس هذه الصورة الذهنية للوجود، في عملية متبادلة ومتصاعدة، ودايناميكية. نفعل هذا ليسهل لنا  إستيعاب الوجود ومن ثم إما تقبله كماهو أو التأثير فيه ليستمر كماهو أو لتغييره.
عندما نقول شجرة فإننا نرمز لمجموعة كبيرة من الموجودات وبكلمة واحدة نجعل لها رمزاً يدل عليها، والرمز لكي يكون شاملاً يدل على كل الشجر لابد من أن يقوم العقل بتجريد كل شجرة من إختلافها وتميزها وتركيبها مع غيرها من الأشجار بما يتشابهن فيه، وهكذا تعمل الأيدولوجيا (طريقة التفكير): تقوم بتقسيم الموجودات لمجموعات بناء على تجريدها من سمات التميز والإختلاف وتركيبها مع غيرها بناءاً على السمات المتشابهه. وتعمل هذه الطريقة بإفتراض قبلي بأن هناك سمات جوهرية تدخل في التركيب وسمات ثانوية تدخل في التميز والإختلاف ويجب إسقاطها لكي نستطيع الترميز. وبذا من الممكن عن ثقة أن نقول أن المسافة بين الشجرة الرمز في الوعي وبين شجرة الواقع، مليئة بالسمات التي تم إسقاطها وإهمالها، وأن شجرة الواقع غنية بالتفاصيل التى لا تستطيع شجرة الرمز في الوعي أن تعطينا أي معرفة عنها. بالرغم من هذا، لولا قدرة البشر على الترميز لما إستطاعوا التصنيف، ولما إستطاعوا التعرف على أولاً مجموعة الشجر، ومن ثم شجر المانجو، وحتى شجرة المانجو هذه. هذه القدرة على التجريد والتركيب ومن ثم الترميز مكنتنا بأن نتعامل لا مع الشجر في وجوده الحقيقي فقط، ولكن مع رموز الشجر في وعينا وربطها مع بعضها البعض ومع باقي الموجودات في (علاقات وعي) قد نشابه إلى حد كبير أو إلى حدما علاقات الشجر مع بعضها البعض ومع باقي الموجودات كما هى في الطبيعة، أو قد لا تشابهها.
الفرق بين الترميز الآيدولوجي والترميز في مثال الشجرة مثلاً، أن الترميز الأيدولوجي يشمل ترميزمستويات متراكبة للوجود المادي، الطبيعة  وعلاقة موجوداتها وعلاقة البشر بها، وعلاقة البشر ببعضهم البعض وعلاقات المجتمعات البشرية ببعضها البعض وعلاقة البشر بالكون،ومن الترميز المتراكب لموجودات الوعي التي لا مقابل مادي لها في الطبيعة، ويشمل كذلك تفسير العلاقات ما بين  الرموز وتفاعلها. إن ما يميز الأيدولوجيا بترميزها للموجودات المادية وموجودات الوعي والعلاقات بينها إنها تحمل في داخلها موقفاً تجاه هذه الصورة الرمزية للكون، إما بإعتمادها وإستخدامها للتأثير في الكون، وإما بالإستسلام لقهرها، وإما بمحاولة تغييرها بنموذج علاقات مختلف ما بين رموزها.
وبذا فإننا عندما نرى الوجود فإننا لا نرى الوجود كماهو، ولكننا نراه مشتبكاً مع صورتنا الذهنية عنه، صورتنا المنسوجة برموزها للموجودات المادية ولموجودات الوعي. بإختصار فإننا نرى الوجود من خلال الأيدولوجيا (طريقة التقكير).
الأيدولوجيات السائدة(طرق التفكير السائدة) تتبناها المجتمعات بعد أن تنتجها وتفرضها مراكز السلطة، ويعاد إنتاجها جيلاً فجيل عن طريق مؤسسة الأسرة والمجتمع ومؤسسات التعليم، والمؤسسات المساعدة كالإعلام والقانون .وكذلك يتم إنتاج أيدولوجيات مسودة مناهضة للأيدولوجيات السائدة من قبل المهمشين في النظام الإقتصادي الإجتماعي. والأيدولوجيات السائدة والمسودة في حالة صراع جدلي يمد النظام الإجتماعي الإقتصادي بالحركة والحياة ما دامت الأيدولوجيات السائدة قادرة على أن تجيب وأن تغبش وأن تحرف أسئلة الأيدولوجيات المسودة. عندما يعجز النظام الإقتصادي الإجتماعي عن تلبية الحوجات المادية والروحية لأعضائه ،وتفشل الأيدولوجيا السائدة عن تبرير هذا العجز، عندها تتقدم الأيدولوجيات المسودة بإجاباتها ، وإن نجحت في تقديم إجابات أشمل وأوسع من إجابات الأيدولوجيا السائدة فعندها تتقدم رغم عنف مراكز السلطة القائمة، لتبني مؤسساتها الجديدة أو تغير المرسسات القائمة ولتزيح مراكز السلطة القائمة لمصلحة مراكز السلطة الجديدة، وعندها تصبح الأيدولوجيا المسودة أيدولوجيا سائدة.
هناك أيدولوجيات فردية، وهناك أيدولوجيات إجتماعية هى محصلة جدل وتجريد وتركيب الأيدولوجيات الفردية. ولكل فرد أيدولوجيا حتى وإن لم يعي ذلك، فبدون الأيدولوجيا لن تعي عالمك ومحيطك، لن تستطيع أن تتعامل مع عالمك ومحيطك، لن تكون إنساناً.
قد تكون أيدولوجيا فرد أو مجتمع ما موروثة مما تراكم في الوعي الإنساني من واقع الخبرات التاريخية المحلية والعالمية، أو قد تكون أيدولوجيا تم إنتاجها بدراسة واعية لعلاقات الوجود أو لعلاقات الوعي أو لكليهما.
تختلف الرموز ما بين أيدولوجيات نابعة من رؤى ترى أن الموجودات كماهى في الطبيعة وفي المجتمع وعلاقاتها هى الجذر الذي أوجد الوعي وموجودات الوعي، وما بين أيدولوجيات نابعة من رؤى ترى أن الوعي الخالص هو الذي أوجد كل الموجودات بما فيها الموجودات المادية، وفي المسافة بينهما أيدولوجيات وأيدولوجيات.وبصراحة وأنا بصدد توظيف الكتابة للتغيير في السودان،  فهذه الفروقات لا تهمني  إلا بشكل معرفي شخصي. ما يهمني في الحقيقة هو كل الأيدولوجيات، بغض النظر عن ترميزها للوجود، التي تستطيع أن تتمثل في رموزها السودان كوطن يتساوى مواطنيه في الإنسانية وفي الحقوق والواجبات وفي الحق في الكرامة والعدالة  والحرية غض النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم ونوعهم.
إن أيدولوجيا ماركسية ترى المجتمعت السودانية كمجتمعات ذات إقتصاد رأسمالي وطبقات برجوازية وعمالية متصارعة لتثبيت أو تغيير علاقات توزيع السلطة والثروة ، إن أيدولوجيا كهذه لا ترى السودان كما هوفي تنوعه وتعقده في الحقيقة وإنما كماهو في الصورة الذهنية الكامنة في الأيدولوجيا. عندما تصطدم هذه الصورة الذهنية مع واقع أن المجتمعات السودانية في حقيقتها مجتمعات ذات إقتصاد مشوه  تتراكب فيه العلاقات الرأسمالية مع العلاقات التقليدية ما قبل الرأسمالية والمؤسسات الحديثة مع مؤسسات إقطاعية مثل القبيلة والطائفة، وتلعب فيه البرجوازية العليا دور النبلاء والعمد والمشايخ المنتمين للأسر الشريفة، ليس لدي هذه الأيدولوجيا ما تقدمه لمهمشي المؤسسات الإقطاعية وليس بقدرة العمال كطبقة لم تتبلور بعد أن تتحمل وتنهض بمهام التغيير، عندها ليس أمام الأيدولوجيا من طريق لبدء التغيير من القاع بالجدل مع الأيدولوجيا السائدة وإظهار عجزها وإقناع الجماهير بالأيدولوجيا البديلةـ ولذا تلجأ للبديل الأسهل وهو إستلام السلطة بالعنف، وقسر المجتمعات على إلغاء مؤسساتها القائمة كالقبيلة والطائفة بالعنف لتتطابق مع النموذج الماركسي، وتقديم حل سحري شامل إسمه "التنمية" لتغيير المجتمعات، لتغيير العلاقات الإقتصادية الإجتماعية لعلاقات رأسمالية ومن ثم وبالقسر سيكون هناك إقتصاد رأسمالي وطبقتي برجوازية وعمال متصارعتين ومن ثم تتحقق الإشتراكية.
الأيدولوجيا الإسلامية بالمقابل ، والتي ترى الصراع كصراع بين الإسلام والكفر، بين الخير والشر، والمجتمعات السودانية كمجتمعات مسلمة أو يجب أن تسلم، وحل مشاكلها يكمن في الرجوع لقيم ونظم وشرائع الإسلام، إنها تحاول أن تقسر السودان المعقد في تنوعه على أن يتطابق مع صورة ذهنية أيدولوجية ، وعندما تصطدم بالآخر السوداني غير المسلم بل وبالآخر السوداني المسلم ذو الرؤية الدينية المختلفة، عندما تصطدم هذه الصورة مع واقع أن المقولات والمفاهيم الإسلامية التي أنتجت في الماضي ولشعوب مختلفة لا ترى السودان كماهو ولكن كما هو في الصورة الذهنية الكامنة في الأيدولوجيا. ليس لدي هذه الأيدولوجيا من طريقة لبدء التغيير من القاع بالجدل مع الأيدولوجيا السائدة وإظهار عجزها وإقناع الجماهير بالأيدولوجيا البديلةـ ولذا تلجأ للبديل الأسهل وهو إستلام السلطة بالعنف، وقسر المجتمعات على إلغاء مؤسساتها القائمة بالعنف لتتطابق مع النموذج الإسلامي، وتقديم حل سحري شامل إسمه "الأسلمة" لتغيير المجتمعات، لتغيير العلاقات الإقتصادية الإجتماعية لعلاقات دينية ومن ثم وبالقسر سيكون هناك صراع بين الإسلام وبين الكفر، ومن ثم ينتصر الإسلام وتقوم دولة الخلافة الإسلامية.
وهناك من ينادون بأن الحل السحري هو الديمقراطية، ويعنون الإنتخابات والبرلمان والحكومة الدورية المنتخبة والقضاء المستقل. إنها أيدولوجيا تتجاهل أن الديمقراطية تفترض مواطنين متساوين في الحريات والحقوق، تتجاهل التحيزات الموجودة في الواقع، تتجاهل أن أهل الطائفة والقبيلة لا يرون الدولة بل يرون النبلاء الذين يقودونهم على قمة القبيلة والطائفة، ولذا لا يتحركون بخياراتهم الذاتية وإنما بإشارة هؤلاء النبلاء، وبذا تستدام السيطرة البرجوطائفوقبلية، وتحول الديمقراطية الشكلية الدولة الحديثة لأداة في يد الإقطاع.
إفتراضي هنا إن الأيدولوجيات لو إشتبكت مع الواقع الحقيقي لتقاربت فيها معاني الرموز وإن إختلفت عائلة الرموز المستخدمة، فنجد أن المستَغَلْ مقابل المٌستَغِل عند الماركسيين سوف يكاد يتطابق مع الخَير مقابل الشر عند الإسلاميين، ومع نصير الحقوق والحريات مقابل المستبد عند اللبراليين ... الخ ..الخ. إفتراضي الثاني أنه ولكي يحدث التغيير لابد أن يحدث تجاوز جدلي في كل الأيدولوجيات المسودة، بحيث تنتقل من محاولة فرض صور ذهنية معدة مسبقاً لالباسها للواقع إلى نقاش الواقع وتمثل مشكلاته كماهي لحلها.
لا يهمني أيدولوجيتك (طريقة تفكيرك)، ما يهمني هو ماذا تريك أيدولوجيتك، هذا القناع المنسوج من الرموز. هل ترى مشاكل السودان كماهى في الواقع: سيطرة الأبوية وإنعدام الحريات، التراتب العرقي العنصري، سيطرة الذكورية وقهر المرأة والأطفال، نهب الشرائح الطفيلية البرجوطائفوقبلية للمجتمعات عن طريق أدوات الدولة وتجويع المواطن السوداني، تراكب المؤسسات الحديثة والمؤسسات القديمة في بنية مشوهة. هل ترى حوجتنا لدولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والحريات غض النظر عن عرقهم، غض النظر عن دينهم غض النظر عن نوعهم؟. أم هل إنك مسجون في الأيدولوجيا، في صورة ذهنية بها صراعات نبيلة، وغايات عليا سامية، ولكنها للأسف لا تمت لواقع المجتمعات السودانية، لواقع الإنسان السوداني بصلة، إنها صراعات وغايات موجودة في ذهنك فقط، وحتماً ستفشل وإن أقنعت الجميع بها، حتماً ستفشل في إلباسها للواقع السوداني الحي والمعقد.

 -2-
البي يحدد موقعك الطبقي هو موقعك في علاقات الإنتاج، وموقعك في علاقات الإنتاج بي يتحدد بي حصتك من فائض الإنتاج،وتقسيم الحصص دي بي يتم على مستوى المجتمع كلو.
وشكل علاقات الإنتاج هو البي يحدد شكل العلاقات في المجتمع، وين مراكز السلطة، ووين باقي الطبقات والعلاقات بيناتم شكلها شنو.
الإنتاج عشان يتحقق بي يحتاج لي وسائل الإنتاج من مواد خام، أدوات إنتاخ، وعمال وموظفين وهلمجرا.
لكن قبل كل دا الإنتاج بي يحتاج لي طريقة تفكير (أيدولوجيا، وعي) يحدد لي كل زول دورو ويخليهو مقتنع بيهو في العملية الإنتاجية.
العامل عشان يعمل، والزرارع عشان يزرع ، والراعي عشان يرعى، والموظف عشان يشتغل،والمهندس عشان يهندس، والمدير عشان يدير، وصاحب المال عشان يربح، محتاجين لي طريقة تفكير تحدد ليهم أدوارهم ،تبرر ليهم ادوارهم بل وتخليهم فخورين ومدافعين عن الأدوار دي.
إذا كانت وسائل الإنتاج ضرورية لإنتاج الإنتاج، فطريقة التفكير(الأيدولوجيا، الوعي) ضرورية جداً لإعادة إنتاج الإنتاج.
طريقة التفكيرالسائدة بي يتم إنتاجها من مراكز السلطة في المجتمعات، ووظيفتها زي ما قلتا إعادة إنتاج الإنتاج، يعني إعادة إنتاج المجتمع بشكل علاقاته القائمة الآن أو باحسن منها ولمصلحة مراكز السلطة في المجتمع.
طريقة التفكير بي يتم زراعتها إبتداءاً من الأسرة، والتعليم، والمجتمع ،ووسائل الإعلام، والكتب والصحف، وأحاديث رموز المجتمع.
إذا تدمرت وسائل الإنتاج، المصانع، البنية التحتية ..الوسائل المادية لمجتمع ما عموماً فإنه قادر تماماً، ولن يفعل غير أن يعيد إنتاج نفسه وعلاقاته إنطلاقاً من طريقة التفكير فيه، بمعنى أن مجتمعاً ديمقراطياً إذا تدمر بفعل الحرب فإن الناجين منه لن يعيدون بناء مجتمعهم إلا على النسق الديمقراطي، إنطلاقاً من طريقة تفكيرهم.
في السودان،الإستعمار قام بتركيب منتجات الحداثة (منتجات مثلها مثل العربات، الثلاجات ..الخ) التي أنتجت في نظام ديمقراطي علماني ومجتمع ليبرالي (منزوعة من سياقها الديمقراطي العلماني الليبرالي) ركبها على قمة النظام الإقطاعي الكان موجود قبل الإستعمار (ليه ؟ لانو المستعمِر إبن الحداثة لا يستطيع أن يحكم ويسيطر إلا عبر أدوات الحداثة)، وذلك بعد إخضاع مراكز السلطة في ذلك النظام الإقطاعي، والذي غالباً ما  تنتظم فيه القبائل والعشائر كوحدات إدارية و كوحدات بناء إقتصادية/إجتماعية للنظام.
نظام ما قبل الإستعمار يعتمد التفوق العرقي والقداسة الدينية والتفوق الثقافي كطريقة تفكير سائدة ينقسم بها المجتمع لسادة يعتنون بباقي المجتمع (الأتباع) في الظاهر، ويستهلكونهم في تراكم ثرواتهم في الحقيقة. يستخدم الإستعمار طريقة التفكير السائدة عند المستَعمَرين لتقسيمهم لمجموعة يخصها بالرعاية والدعم، ومجموعات يتم قهرها عن طريق السادة. طريقة التفكير السائدة قبل الإستعمار (والمعدلة من قبل الإستعمار) يعاد إنتاجها من قبل أسر الطائفية وشيوخ وأرابيب القبائل في السودان في بداية الإستعمار، ومن بعد بالتحالف مع الشريحة العليا من الطبقات الغنية.إستخدام أدوات الحداثة (والدولة بمؤسساتها هى الأهم فيها) من قبل المستعمِر أدى لتوليد طبقة برجوازية (حضرية، وسطى ..) ضعيفة ومنتقصة المخيلة ومعتمدة على المستعمِر أبان الإستعمار، وعلى الدولة بعد ذهاب المستعمر. لم تنتج هذه الطبقة عن طريق التطور الطبيعي الناتج من الصراع بين القوى الحية في المجتمع السوداني ومراكز السلطة فيه، وإنما ولدت كمنتج ثانوي نتيجة لحوجة المستعمِر لمن يدير له مؤسسات دولته لتهب السودان، ولذا كانت وما زالت هذه الطبقة (الضعيفة القوة والقليلة العدد) خاضعة لمن يحكم، قديماً كان الإستعمار، وبعد الإستقلال لأسر زعامات الطائفية وشيوخ القبائل والأرابيب والشريحة العليا من الطبقة الغنية. 

في نمط إنتاج ما بعد الإستعمار في السودان في بلد متعدد الإثنيات الطبقة المسيطرة لتحافظ على الثروة والسلطة طريقة التفكيرالتي تنتجها بي تقول أن هناك أسراً نبيلة ويصدف للسخرية إنها من نفس عرق الطبقة المسيطرة، ويصادف لحظهم أيضاً أن هذه الأسر هى الممسكة بمراكز السلطة، ومن ثم يقوم تراتب محدد، تستفيد فيه هذه الأسر مثلاً من 90% من ثروات البلاد، ال 10% الباقية يستفيد بها عرقهم في شكل خدمات، ومع ذلك عدا هذه الأسر النبيلة فعرقهم ذاته هم مهمشين ومقهورين مثل باقي الأعراق، ولكن باقي الأعراق قهرهم وتهميشهم أدهى وأمر. الأعراق التي يتطابق عرقها مع الطبقة الحاكمة تستفيد من هذا الرأسمال الرمزي مادياً ومعنوياً، أولا للفتات الذي ينالونه من الطبقة الحاكمة وثانياً لأن طريقة التفكير السائدة تفتح الطريق أمامهم وتمدهم بالأمل بأن لا شئ يقف امام زحفهم للوصول لمركز الطبقات الغنية، ولذا تجدهم يدافعون عن قيم طريقة التفكير السائدة. الممسكين بمراكز السلطة عند المهمشين أيضاً يتحالفون مع الطبقة المسيطرة ويعيدون نشر طريقة التفكير السائدة ولكن بجعل أسرهم هى مركز الهامش، ولكن دورهم في المركز البرجوطائفي لا يتعدى دور االتابع ومنفذ أوامر السادة (إلا إذا إنفصلوا بالطبع وبنفس طريقة التفكير السائدة وعندها يتكرر نفس النموذج عندهم كما في الجنوب)

طريقة التفكير السائدة والتي تعمل لصالح مراكز السلطة (تموه وتزيف) الصراع بين قيم (الزواج الحرام بين الإقطاعيين والبرجوازية العليا) وبين قيم الحداثة التي تحمل رايتها الطبقة البرجوازية، وتصور كل إنتصار على قيم الديمقراطية والعلمانية واللبرالية كأنه رد على هزيمتنا المؤلمة الجارحة والبليغة في معركة كرري من قبل المستعمِر الغربي. وفي الجهة المعاكسة، عجزت الطبقة البرجوازية (ناتج المستعمر) عن تفكيك الثقافة السودانية وفرز متناقضاتها وقيادة صراع يرتكز على مؤسساتنا الإجتماعية الموروثة وتغيير دورها لمصلحة الحداثة، وإكتفت بوصم كل ما ينتمي للإقطاع، للتيار المتواصل منذ القدم القديم حتى تم قطعه في كرري، إكتفت بوصمه بالتخلف والجهل،وبذا عجزت عن مخاطبة جل السودانيين والسودانيات، وكفت نفسها شر القتال.
المزيج المصنوع من قبل المستعمِر، والمزاوجة المستحيلة بين طبقة أنتجت من قبل النظام الإقطاعي السوداني والشريحة العليا من طبقة أنتجت في ظل أدوات الحداثة (الغربية) وتصميمها كمراكز سلطة تتحكم في مجتمعات الحضر (البرجوازية في الغالب) ومجتمعات الهامش (إقطاع في الغالب). هذه التركيبة المصنوعة صبغت كل الطبقات، القديمة والمستحدثة بهذه الهجنة ما بين القديم والحديث، وجعلت كل المجتمع يتأرجح ويهتز ويراوح مكانه وأعاقته عن التطور. وصبغت حتى النخب (المسماة بالمستنيرة)، فتجدهم يزاوجون في قلوبهم ما بين الذكورية وتحرر المرأة، وبين اللبرالية والتربية بالسمع والطاعة، وبين الديمقراطية وقمع منتسبي حزبهم وتشويه صورة من يعارضهم وما بين الإنسانية والعنصرية، في مزيج يدعو للدهشة والإستغراب، ولا يجدون في أنفسهم أدنى حرج، بل وينامون قريري العيون هانئين.
طريقة التفكير السائدة والموروثة من الإستعمار هي التي تهدم الدولة، هى التي خربت السكة حديد، مشروع الجزيرة، الخدمة المدنية وهى التي أضعفت الجيش والشرطة، فلم تكلف البرجوازية العليا المتحدة مع زعماء الطائفية وشيوخ القبائل، (وهي التي أنتجت في ظل غياب قيم التنوير) لِمَ تكلف نفسها بصيانة مؤسسات الدولة الحديثة وبإمكانها أن تربح وتنهب وتراكم ثرواتها في ظل دولة الزعماء والشيوخ والأرابيب بما لا يقاس. طريقة التفكير السائدة لا تحتاج للدولة الحديثة ومؤسساتها لتحكم، بل هي ترى في مؤسسات الدولة الحديثة إما (العدو الذي زرعه الإستعمار الغربي)،أو الأداة الحديثة التي ستستخدمها بديلاً لسلطة القبيلة والطائفة للنهب والقهر وتوزيع المغانم ، وبما أن الوارثين من الإقطاعيين والبرجوازية العليا ،ورثة الإستعمار، إستمروا في إدارة الدولة الحديثة بنفس نهج الإستعمار، أي كأداة للنهب والقمع والسيطرة، إستقر في العقل الجمعي كراهية الدولة الحديثة وفي نفس الوقت التمثل بقيم وطريقة إدارة مؤسسات الإقطاع سواء في دولنا القديمة من فور وفونج ومهدية وفي قبائلنا، وإعادة إنتاج هذه المؤسسات على الأرض مع نفس الهجنة الإستعمارية التى تم ذكرها في الأعلى، فتتجد أنه حتى المؤسسات الحديثة من أحزاب وشركات ومنظمات عمل عام وحتى الحكومة، تدار بطريقة إقطاعية، بمعنى إعادة إنتاج مؤسسات الحداثة شكلياً وإستبدال محتواها الحداثي الديمقراطي اللبرالي بمحتوى إقطاعي أبوي ذكوري عنصري يتغطى بالقداسة الدينية.
في وجود نمط إنتاج دولة ما بعد الإستعمار في السودان كما وصفته أعلاه، وبوجود الحداثة الإستعمارية معطاة كأدوات ومنتجات لا كرؤى للتنوير وتغيير للأيدولوجيا (طريقة التفكير السائدة في المجتمع). في ظل هذا النمط من الإنتاج التغيير يبدأ من طريقة التفكير، والتغيير هو تغيير طريقة التفكير.
صحيح أن هناك علاقة جدلية بين درجة التطور المادي لمجتمعٍ ما وطريقة التفكير فيه. وصحيح أن التغيير في طريقة التفكير والواقع المادي يتبادلان التأثير. ولكني أشدد هنا على ما يهمله المنظرون:
التغيير الواجب في ظل نمط إنتاج دولة ما بعد الإستعمارهو تغيير طريقة التفكيرالسائدة لإعادة إنتاج مجتمعنا على نسق ديمقراطي يراعي الحقوق والحريات والمساواة والعدالة الاقتصادية الاجتماعية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق