الأربعاء، 3 يونيو، 2015

السودان وأزمة دولة مابعد الإستعمار -2-

طبعاً أنا البقولوا إنو دولة الإقطاع المركزية في السودان أنشأتها المهدية وتم تحطيمها بعنف الإستعمار الإنجليزي، أما السائد الآن فدا نموذج لم يؤسس له أيديولوجياً وإقتصادياً إجتماعياً، فنحن أمام ما يمكن أن نسميه (دولة ما بعد الإستعمار)، حيث قام المستعمر بصهر الطبقة الحاكمة ومؤسسات الإقطاع مع البرجوازية العليا ومؤسسات الحداثة، فأنتج نظاماً هجيناً لا عن طريق التطور الداخلي للمجتمعات، وإنما عن طريق القهر. وفي فهم هذه الحقائق مفتاح أزمتنا.


قلتا أنا أن الإستعمار زاوج بين طبقتين، نبلاء الإقطاع والبرجوازية، بالصهر والقمع الإستعماري لا بتطور وصراع القوي الفاعلة في المجتمعات السودانية، فأصبح المجتمع والأفراد مزدوجي الشخصيات (من حيث طريقة التفكير) فهناك شكل حداثي في أقله يكون في إستخدام منتجات الغرب، وهناك شكل إقطاعي سلفي في أقله يكون في التحرر أمام الصديقات والزميلات وقمع الأخوات والزوجات . أها كل نصف من ذواتنا المتناقضة في الأفراد والمجتمع بي ينزع للتطور الكامل نحو الشكل الصافي لما يمثله. إذن فرواد وقادة السلفية في المجتمع لا يرون في الصادق والترابي إلا النصف النفعي اللبرالي، ورواد وقادة اللبرالية لا يرون في الترابي والصادق إلا سلفيتهم ومحافظتهم على القديم. وفي الحقيقة الصادق والترابي يمثلان بصدق المزيج الجديد الذي تم بصهر البرجوازية والإقطاع في طبقة واحدة لتحكم وتسيطر على المجتمع بالوكالة عنه. ولذا يجب على رواد التغيير أن يركزوا على فك هذا الإشتباك، هذه السبيكة البرجوطائفية، أو الطائفوبرجوازية. وفرز القيم الجديدة عن القيم القديمة.


الرابط الأساسي للمؤسسة القبلية هو العرق، ,والقبائل في النظام القبلي لا تترتب رأسياً كقبائل سائدة وقبائل مسودة، وإنما تترتب أفقياً في علاقات الحرب والتفاوض والصراع على الأرض ومنتجات الطبيعة. وعندما تتحول القبيلة لوحدة بنائية مندمجة مع دولة الإقطاع تقوم مراكز السلطة بإستخدام العرق مدعية تفوقها العرقي ونسبها الشريف وإستحقاقها للسلطة بناءاً على هذا النسب، وبذا يتحول دور العرق من رابط إجتماعي إلى رأسمال إجتماعي. وإذا تم تصنيف عرق ما على أنه شريف فهذا يتضمن تراتبية للأعراق من أشرفها إلى أوضعها وما بينهما، وتتحول العلاقات بين القبائل إلى علاقات رأسية بين قبائل سائدة وقبائل مسودة. فإن لم تكن هذه هى العنصرية فماذا تكون؟. إذن طريقة التفكير السائدة في القبيلة الإقطاعية تحديداً تتسم بالعنصرية. يجب أن ينتبه الناس لتغير الدور المنوط بالعرق والهوية القبلية مع تغير السياق الإجتماعي الإقتصادي، ففي النظام القبائلي العرق هو العلاقة التي تربط الناس بالمؤسسة القبلية، كما يربط العمل الموظفين بالشركة، بينما في النظام الإقطاعي يتحول العرق لأيدولوجيا للقهر والتفوق ورأسمال إجتماعي بيد مراكز السلطة. أتوقع أن تتحول الهوية القبلية في الدولة الحديثة لفرع من الهوية الأشمل ، الهوية الوطنية، وأن تكون وظيفتها التصنيف والإنتماء لا كما تعنيه الآن من إمتيازات أو تحقير. إذن القبيلة بذاتها لا تعني العنصرية، ولكن في سياق الإقطاع (أي القبيلة الإقطاعية) فبالتأكيد هى تعني ذلك وأكثر.


في نظام إقطاعي سائد في بلد متعدد الإثنيات الطبقة المسيطرة لتحافظ على الثروة والسلطة طريقة التفكيرالتي تنتجها بي تقول أن هناك أسراً نبيلة ويصدف للسخرية إنها من نفس عرق الطبقة المسيطرة، ويصادف لحظهم أيضاً أن هذه الأسر هى الممسكة بمراكز السلطة، ومن ثم يقوم تراتب محدد، تستفيد فيه هذه الأسر مثلاً من 90% من ثروات البلاد، ال 10% الباقية يستفيد بها عرقهم في شكل خدمات، ومع ذلك عدا هذه الأسر النبيلة فعرقهم ذاته هم مهمشين ومقهورين مثل باقي الأعراق، ولكن باقي الأعراق قهرهم وتهميشهم أدهى وأمر. الأعراق التي يتطابق عرقها مع الطبقة الحاكمة تستفيد من هذا الرأسمال الرمزي مادياً ومعنوياً، أولا للفتات الذي ينالونه من الطبقة الحاكمة وثانياً لأن طريقة التفكير السائدة تفتح الطريق أمامهم وتمدهم بالأمل بأن لا شئ يقف امام زحفهم للوصول لمركز الطبقات الغنية، ولذا تجدهم يدافعون عن قيم طريقة التفكير السائدة. الممسكين بمراكز السلطة عند المهمشين أيضاً يتحالفون مع الطبقة المسيطرة ويعيدون نشر طريقة التفكير السائدة ولكن بجعل أسرهم هى مركز الهامش، ولكن دورهم في المركز البرجوطائفي لا يتعدى دور االتابع ومنفذ أوامر السادة (إلا إذا إنفصلوا بالطبع وبنفس طريقة التفكير السائدة وعندها يتكرر نفس النموذج عندهم كما في الجنوب).


من الطبيعي دائماً أن يكون هناك تفاوت بين المركز والهامش في النظام الإقتصادي الإجتماعي، ولكن دائماً ما يكون النظام يسوده الإتساق بسيادة الإقطاع أو الرأسمالية مثلاً، يعني الفرق بي يكون فرق درجة ما فرق نوع .
 في حالة دولة ما بعد الإستعمار كما عندنا، الفرق بين المركز والهامش هو فرق نوع، تجد في المركز أن الحداثة عالية الصوت مادياً وأيديولوجياً، ومن يصنعون الفعل ويمسكون بمراكز السلطة هم برجوازيون أكثر، والمؤسسات الإقتصادية الإجتماعية تغلب عليها الحداثة، الشركات، الأحزاب، النقابات .. الخ، حتى وإن كانت الحداثة شكلية وتديرها طريقة تفكير البرجوطائفية الملتقة مع ميل أكثر نحو اللبرالية. 
كلما زحفنا للهامش يظهر الشكل والمحتوى الإقطاعي القبلي والطائفي، والإقتصاد القديم، والقمع المباشر من سادة القبائل وشيوخ الطرق الصوفية للأتباع ونهب قوة عملهم الجسدية، وتصبح طريقة التفكير البرجوطائفية وصائية أبوية وذكورية أكثر.

التقسيم الهوياتي والعرقي مظهر من مظاهر أزمة دولة ما بعد الإستعمار والإنتباه لمظهر الأزمة فقط في التقسيم لمركز وهامش يحيلنا لمركز أصم متشابه، وهامش أصم متشابه ويهمل التناقضات الجسيمة داخل كلاً من المركز والهامش.
الأزمة كما ذكرت أعلاه تتمثل في كافة المستويات فهى أزمة وعي في طريقة التفكير السائدة الغارقة في الأبوية والذكورية والعنصرية، وهى أزمة مؤسسات إن كانت  تقليدية أو  حتى وإن كانت حديثة شكلاً ولكنها تدار عن طريق الأرابيب والمكوك والشراتي والمقاديم الذين لا يرون الناس إلا ما يرون.


يجب أن ننتبه.


الحل في رأيي هو في دراسة مؤسسات المجتمع سواء كانت في الحضر أو الريف، في المركز أو الهامش، دراستها وتفكيكها بغرض تجاوزها لمؤسسات توفر للمواطن حرياته وحقوقه، تجاوزها لمؤسسات ديمقراطية، خالية من الإستعلاء والقداسة.

هناك تعليق واحد:

  1. كلامك سليم تماما بس انا بختلف معاك في طريقة الحل (تفكيكها من الداخل) من الصعب بمكان تفكيكها بدون بديل للمجتمع وهو السلطة الديمقراطية ,انت بالسلطة غيرت الحكومات الاهلية وغيرت انظمة اقطاعية لكن للاسف لانو السلطة غير ديمقراطية استفادت من القبيلة والطائفة لترسيخ وجودها المعتمد في الاساس علي التفوق العرقي والنسب الشريف المدعي ..ودي الازمة في الحقيقة.

    فالحل الانا شايفو حسب وجهة نظري لابد من حكومة ديمقراطية ولابد من صراع لايجاد التوافق التام علي الحكم الديمقراطي والصراع دا لابد يكون صراع حقيقي علي الارض سواء كان مسلح او صراع فكري متمدد في جميع السودان. يعني باختصار التغيير في السودان بيحتاج معجزة او مجزرة .

    ردحذف