الأربعاء، 30 ديسمبر، 2015

القتل نقداً

(لا خَيْلَ عِندَكَ تُهْديهَا وَلا مالُ فَليُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لم تُسعِدِ الحالُ)
 المتنبئ
 
النقد في رأيي يستنطق النص، الظاهرة أو المشروع لتوضيح جذوره العميقة الخفية وحركته نحو الإكتمال، يفكك النص/الظاهرة/المشروع في سكونه ليبين ما قاله وما كان يقصد أن يقوله وما عجز عن قوله وما سكت عمداً عن قوله، وفي حركته يهدف النقد للإضاءة والكشف عن إحتمالات الإكتمال. وهو لا يرى ويركز فقط على موضوع نقده، ولكنه يستصحب معه الصورة الكبيرة للمشاريع الإبداعية أو السياسية أو الإقتصادية أو العلمية على حسب موضوعه ليساهم في إثراء هذه المشاريع. النقد عندي لا يصدر إلا عن محبة لموضوع النقد، ويتناول الناقد مواضيعه بنفس شغف الفيزيائي أو الأحيائي أو المهندس أو الجغرافي أو المبدع لمواضيع بحثه، وفي سعيه لتفكيك النصوص/الظواهر/المشاريع بي يخلق النقد نص موازي غارق في جماله الخاص ومفتوح على تأويلاته الخاصة.
 بالمقابل في طريقة التفكير السائدة في السودان، يتقدم أصحاب السلطات السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية ليس لمنتوجهم ولا لمشاريعهم الطموحة ولكن لميزات ورثوها ولخصائص كامنة في مؤسساتنا الموروثة والتي ويا للسخرية حتى الولاية والقرب من الله تجعلها إحتكاراً ووراثة تسرى بالنسب فما بالك بالإقتصاد والسياسة. القدرات الإبداعية لا تورث (ولله الحمد والمنة) ولكنها تزدهر وتجد الرعاية في البيئات التي يحفها الأصل والنسب الجليل والتخفف من أصر الإحتياجات المادية والعلاقات المفتوحة والأتباع المستعدين للتصفيق حتى للقحة المموسقة (وأهلنا بي يقولو القحة ولا صمة الخشم). في مشهد إستاتيكي جامد وساكن وغير مفتوح مثل هذا تموت المبادرات وتؤاد المشاريع وينطفئ المبدعون تحت وطأة التدمير الذاتي والرئاء للنفس ولا تتقدم إلا المشاريع التي يحملها الشيوخ والأرابيب (أو من يرضون عنه) وتتماهى مع السائد أو تسعى لتطويره حتى يستمر في الحياة وحتى يستمر أهل السلطات في السيطرة. في مثل هذا المشهد الذي يغلق الأبواب على المبادرات وإنجاز المشاريع ليس هناك من سلاح يشهره من يريدون التقدم للأمام ونيل رتبة الشياخة والزعامة والأرببة (من أرباب) إلا سلاح الشناف والتبخيس ، وهو سلاح لا يستهدف أبداً مشروع أو ظاهرة لتطويرها أو تقديم مشروع أو ظاهرة بديلة، بل يستهدف الشناف والتبخيس (ويكون أجمل وأحكم عندما يخلط التناقض الموضوعي بالذاتي الملفق)يستهدف أصحاب المشاريع ذوي الحظوة والرأسمال الإجتماعي/الثقافي/السياسي/الإقتصادي، يستهدف أصحاب المشاريع أنفسهم لقتلهم قتلاً معنوياً وركلهم وهم غارقون في جراحهم حتى يلفظون أنفاسهم الأخيرة وسط الصراخ المسعور للجماهير المهتاجة بلذة سقوط المثال.
بعكس الشناف والتبخيس يسعى النقد ويعمل في إطار شامل، في مشروع كبير ولذا يسعى إما لزيادة ديناميكة المشاريع المطروحة وإما بطرح مشاكلها لتفاديها في المشاريع الجديد.، ولكن يهم النقد أن تبقى كل المشاريع حية ومفتوحة للإحتمالات، ففي النهاية كلها تصب في إطار المشروع الكبير، وبالنسبة لي هو مشروع الحداثة.
هناك في الآخر سؤال مهم: لا يمكن في رأيي أن نسعى لقتل مبادرينا في كل المجالات بزعم أننا لا نريد أن نصنع شيوخاً وزعماء وأرابيب جدد، بل يجب علينا أن نفتح الباب لكل المبادرات، فالحداثة فيها المشاريع المبدعة والمشاريع الجيدة والمشاريع الرديئة،كما في حقبتنا الحالية والحقب السابقة. يجب أن نفتح الباب لكل المبادرين والمنتجين بحيث تكون المبادرات والإنتاج من الكثافة بحيث لا تعطي المبادر والمبدع والمنتج من السلطات إلا ما يناسب جهده وإبداعة، ويجب طبعاً إن ننفك من روح الحوار تابع الشيخ والجماهير المصفقة لمن يتوجون مرة واحدة وللأبد ولا يخضعون للمراجعة والنقد.
وأهم ماقد يتمخض من كتابتي هذه هو أن ما يهمني ليس فقط المبادرين والمبدعين كأفراد، ولكن ما يهمني كثيراً هو قيام المؤسسات الحداثية في كل المجالات، المؤسسات التي ستتبنى قيم الديمقراطية والحرية والنقد المحب، والتي ستعيد إنتاج مبادرينا ومشاريعنا بأكثر وباحسن مماهو موجود في حاضرنا.

الأربعاء، 11 نوفمبر، 2015

القبيلة، الطريقة الصوفية والحداثة !

لما         القبيلة تكون متحركة في نظام إقتصادي إجتماعي ملائم لسياقها، قبائل حرة كما في النظام القبائلي السوداني قديماً قبل الإقطاع، بي تكون عندها قدرات على التكيف والتلاؤم وبي تكون (تقدمية) . ولمن تجي في السلطنات والممالك الإقطاعية بتبقا جزء من مؤسسات السلطة ويبقا عندها زعماء بالوراثة وأتباع لا تتغير مكانتهم هنا بي تتجمد أكتر وتصبح (رجعية) لانها قايمة على العرق ، والسلطنات بي تجمع الناس على أساس مركزية السلطنة. عندها ظهرت في السودان الطريقة الصوفية كمؤسسة سلطة عندها القدرة على التجميع على أساس أيدولوجي متجاوز للهوية العرقية (ويجب الحذر هنا لأن السلطنات في السودان نفسها قائمة على أيدولوجية النسب الشريف والعرق الفائق والتراتب طبقياً بناءاً على العرق، الفرق إن العرق في القبيلة مكون مادي مؤسسي، وفي الإقطاع مكون أيدويولوجي، يعني لا يمكن أن تكون هناك قبيلة ليست قائمة على العرق حقيقةً أم إدعاء) ، وعشان كدا في النظام الإقطاعي السوداني مؤسسة الطريقة الصوفية فيه كانت (تقدمية) ... لمن جا الإستعمار وبنى الدولة الحديثة على ظهر المؤسسات التقليدية، أصبحت القبيلة (رجعية) والطائفة والطريقة الصوفية (رجعية) ايضاً، ولذا لابد من فض هذا الإشتباك بعمل تغيير داخل المؤسسة القبلية وداخل المؤسسة الطائفية والطريقة الصوفية، ولابد أن ينجز هذا التغيير أهل هذه المؤسسات بحوافز من المدافعين عن الحداثة، وعندها ربما تستمر هذه المؤسسات (القبيلة والطريقة الصوفية والطائفة) في الحياة والعطاء ولكن (بشروط الحداثة) ، أو ربما يتم إستبدالهما بمؤسسات جديدة.
 لكل قبيلة سودانية أساطيرها وكرسي سلطنتها (ككرها) ووسومها لها ولماشيتها ولها كمان دوبيت ومناحات وبنا بنا بنينا خاصة بها وكذلك نحاسها بإيقاعاتها، ولكل طائفة وطريقة صوفية سودانية قصص عن كرامات فقرائها وشيوخها ولها مديحها وراياتها وطبولها . أها عشان نحنا في السودان (وأعني جماعات الحداثة) قاعدين كراع في طريقة التفكير السائدة الموروثة ووكراع في الحداثة لينا زمن ، فلازم نرجع لي ورا وأحزابنا برضو يكون عندها أسطورة وطقس ... الإستراتيجي يتحول لي إسطورة، والتكتيكي اليومي يتحول لي طقس. تحليل الواقع الذي أنجز بواسطة الرواد يتحول لنصوص سلفية ويجبر الواقع الحي المتجدد على تقمصها. وحتى الأحزاب الجديدة وقبل أن تبدأ في بناء الإستراتيجيات والخطط، تبدأ في خلق الشيوخ والمكوك والعمد الخاصين بها.
لذا قفزتنا للحداثة، قفزتنا للتجاوز الجدلي الخلاق لمؤسسة القبيلة ومؤسسة الطريقة والطائفة الصوفية ، لابد أن يسبقها تجاوز جدلي خلاق في ذواتنا وفي مجموعنا وفي مؤسساتنا التي سنخرج بها لخلاء الحداثة.

الخميس، 8 أكتوبر، 2015

يا جميل وترجمتها !

 من أين تتولد معايير الجمال وماهو الأساس المادي لها (إن وجد)؟ 
السؤال التاني: إذا إفترضنا إنو في مجتمع ما في سلطات سائدة لها طرق تفكير سائدة تنتجها وتدعمها وتعيد إنتاجها عبر مؤسسات التربية والتعليم والمجتمع وأدوات الدعاية من تلفزيون وغيرو، وفي طرق تفكير مهمشة،وإنو الترتيب دا موش في السودان بس ولكن على مستوى جميع المجتمعات في مابينها في العالم، فمن أين تستمد طريقة التفكير السائدة في مجتمعاتنا معاييرها للجمال؟.
في نظري الدافع لتغيير الشكل واللون (في السودان ) ما جمالي بحت ولكن له علاقة بالترتيب الإقتصادي الإجتماعي المبني على العرق والقداسة.
الدافع (المباشر) لتغيير اللون والشكل هو دافع جمالي بحت كما يبدو لكل من يقوم بذلك، ولكن لا يجب أن ننسى مكر طربقة التفكير السائدة (الأيدولوجيا) المبنية لتبرر وتستديم التراتب الإجتماعي الإقتصادي في السودان، والتى تغرس بذرتها في المفاهيم الجمالية ومعايير الجميل لتتفق مع التراتبية السائدة في المجتمع.
لما مجتمع يكون التراتب فيه بناءاً على العلاقات الراسمالية المتجاوزة للون والعرق (أكثر بكثير من العلاقات الإقطاعية) في الحالة دي تغيير اللون أو الشكل بي يميل لي إنو جمالي أكتر من ليه علاقة بتحيزات طريقة التفكير السائدة (الأيدولوجيا)... لكن لما تكون في طريقة تفكير سائدة (ايدولوجيا) بي تخت بذورها في معايير ومفاهيم الجمال وتحددها، وطريقة التفكير السائدة أساسها تراتب إقتصادي إجتماعي بتاءاً على اللون والعرق، في الحالة دي بالتأكيد هناك ضغط شديد على أصحاب التراتبية الدنيا بأن يغيروا أشكالهم والوانهم لاصحاب الرتب العليا.. حتى وإن كانوا مقتنعين تماماً بأن هدفهم جمالي بحت.. لان طريقة التفكير السائدة البرجوإقطاعية (التي ينتجها أصحاب المراتب العلبا) هى من تضع معايير الجمال... يعني في السودان أصحاب المراتب الدنيا في الترتيب الإجتماعي مستلبين مرتين، مرة لطريقة التفكير السائدة في السودان البرجوإقطاعي بمركزيتها العربية، ومرة ثانية لطريقة تفكير رأس المال المعولم بمركزيتها الأوروبية والأمريكية.
في الختام،ليس لي حكم أخلاقي تجاه البياض أو السواد، لا أسعى (لتجريم) من يغيرون لونهم للبياض وشكلهم للتماهي مع العربي او الأوروبي ولا لإستصدار قوانين ضد ذلك ولا حتى لإدانتهم إخلاقياً من قبل المجتمع، الفكرة الأساسية هى فهم كيف تعمل مفاهيم ومعايير الجمال التي نظنها ذاتية وتخضع للذوق، لنجد أنها مرتبطة بجذورها في طريقة تفكير المجتمع. ومن يعرف الضرورة والإكراهات وقوانينها وكيفية عملها يعرف كيف يتجاوزها ويكون حراً في الإختيار.ولذا ففي حين تشير أصبعي السبابة نحو من يغيرون ألوانهم وأشكالهم بدوافع التماهي مع معايير مراكز السلطة العنصرية والأبوية والذكورية، تشير باقي أصابعي نحو ناشطي التغيير للقيام بمهامهم تجاه تفكيك هذه المراكز وتفكيك طريقتها في التفكير لمصلحة بناء مؤسسات تنحاز وتخدم وتقدم المواطن والمواطنة بعيداً عن تحيزات اللون والشكل والعرق والدين... الخ الخ.
وفي النهاية تغيير اللون والشكل حرية شخصية لمن أحب ذلك

الاثنين، 5 أكتوبر، 2015

نظارة الوجود السحرية : طريقة التفكير (الأيدولوجيا)



ماذا تعني  لك كلمات مثل:"ود بلد"،"مسلم"،"طبقة"،"عربي"،"ود غرب غرابي"،"الله"، "الزعيم"، "رطانة"،"لونا سمح" ...الخ ؟.
ببساطة هذه الكلمات غير إنها رموز لغوية مكتوبة أو منطوقة فهي أيضاً وحسب فهمك لها تشف عن جانب من طريقة تفكيرك (الأيدولوجيا). إنها ليست فقط رموز لغوية ولكنها أيضاً رموز أيدويولوجية. فما هى الأيدولوجيا ؟
يمكن تعريف الأيدولوجيا (طريقة التفكير) بإنها ترميز الوجود في الذهن وربط هذه الرموز بعلاقات إدراكية ومن ثم إلباس هذه الصورة الذهنية للوجود، في عملية متبادلة ومتصاعدة، ودايناميكية. نفعل هذا ليسهل لنا  إستيعاب الوجود ومن ثم إما تقبله كماهو أو التأثير فيه ليستمر كماهو أو لتغييره.
عندما نقول شجرة فإننا نرمز لمجموعة كبيرة من الموجودات وبكلمة واحدة نجعل لها رمزاً يدل عليها، والرمز لكي يكون شاملاً يدل على كل الشجر لابد من أن يقوم العقل بتجريد كل شجرة من إختلافها وتميزها وتركيبها مع غيرها من الأشجار بما يتشابهن فيه، وهكذا تعمل الأيدولوجيا (طريقة التفكير): تقوم بتقسيم الموجودات لمجموعات بناء على تجريدها من سمات التميز والإختلاف وتركيبها مع غيرها بناءاً على السمات المتشابهه. وتعمل هذه الطريقة بإفتراض قبلي بأن هناك سمات جوهرية تدخل في التركيب وسمات ثانوية تدخل في التميز والإختلاف ويجب إسقاطها لكي نستطيع الترميز. وبذا من الممكن عن ثقة أن نقول أن المسافة بين الشجرة الرمز في الوعي وبين شجرة الواقع، مليئة بالسمات التي تم إسقاطها وإهمالها، وأن شجرة الواقع غنية بالتفاصيل التى لا تستطيع شجرة الرمز في الوعي أن تعطينا أي معرفة عنها. بالرغم من هذا، لولا قدرة البشر على الترميز لما إستطاعوا التصنيف، ولما إستطاعوا التعرف على أولاً مجموعة الشجر، ومن ثم شجر المانجو، وحتى شجرة المانجو هذه. هذه القدرة على التجريد والتركيب ومن ثم الترميز مكنتنا بأن نتعامل لا مع الشجر في وجوده الحقيقي فقط، ولكن مع رموز الشجر في وعينا وربطها مع بعضها البعض ومع باقي الموجودات في (علاقات وعي) قد نشابه إلى حد كبير أو إلى حدما علاقات الشجر مع بعضها البعض ومع باقي الموجودات كما هى في الطبيعة، أو قد لا تشابهها.
الفرق بين الترميز الآيدولوجي والترميز في مثال الشجرة مثلاً، أن الترميز الأيدولوجي يشمل ترميزمستويات متراكبة للوجود المادي، الطبيعة  وعلاقة موجوداتها وعلاقة البشر بها، وعلاقة البشر ببعضهم البعض وعلاقات المجتمعات البشرية ببعضها البعض وعلاقة البشر بالكون،ومن الترميز المتراكب لموجودات الوعي التي لا مقابل مادي لها في الطبيعة، ويشمل كذلك تفسير العلاقات ما بين  الرموز وتفاعلها. إن ما يميز الأيدولوجيا بترميزها للموجودات المادية وموجودات الوعي والعلاقات بينها إنها تحمل في داخلها موقفاً تجاه هذه الصورة الرمزية للكون، إما بإعتمادها وإستخدامها للتأثير في الكون، وإما بالإستسلام لقهرها، وإما بمحاولة تغييرها بنموذج علاقات مختلف ما بين رموزها.
وبذا فإننا عندما نرى الوجود فإننا لا نرى الوجود كماهو، ولكننا نراه مشتبكاً مع صورتنا الذهنية عنه، صورتنا المنسوجة برموزها للموجودات المادية ولموجودات الوعي. بإختصار فإننا نرى الوجود من خلال الأيدولوجيا (طريقة التقكير).
الأيدولوجيات السائدة(طرق التفكير السائدة) تتبناها المجتمعات بعد أن تنتجها وتفرضها مراكز السلطة، ويعاد إنتاجها جيلاً فجيل عن طريق مؤسسة الأسرة والمجتمع ومؤسسات التعليم، والمؤسسات المساعدة كالإعلام والقانون .وكذلك يتم إنتاج أيدولوجيات مسودة مناهضة للأيدولوجيات السائدة من قبل المهمشين في النظام الإقتصادي الإجتماعي. والأيدولوجيات السائدة والمسودة في حالة صراع جدلي يمد النظام الإجتماعي الإقتصادي بالحركة والحياة ما دامت الأيدولوجيات السائدة قادرة على أن تجيب وأن تغبش وأن تحرف أسئلة الأيدولوجيات المسودة. عندما يعجز النظام الإقتصادي الإجتماعي عن تلبية الحوجات المادية والروحية لأعضائه ،وتفشل الأيدولوجيا السائدة عن تبرير هذا العجز، عندها تتقدم الأيدولوجيات المسودة بإجاباتها ، وإن نجحت في تقديم إجابات أشمل وأوسع من إجابات الأيدولوجيا السائدة فعندها تتقدم رغم عنف مراكز السلطة القائمة، لتبني مؤسساتها الجديدة أو تغير المرسسات القائمة ولتزيح مراكز السلطة القائمة لمصلحة مراكز السلطة الجديدة، وعندها تصبح الأيدولوجيا المسودة أيدولوجيا سائدة.
هناك أيدولوجيات فردية، وهناك أيدولوجيات إجتماعية هى محصلة جدل وتجريد وتركيب الأيدولوجيات الفردية. ولكل فرد أيدولوجيا حتى وإن لم يعي ذلك، فبدون الأيدولوجيا لن تعي عالمك ومحيطك، لن تستطيع أن تتعامل مع عالمك ومحيطك، لن تكون إنساناً.
قد تكون أيدولوجيا فرد أو مجتمع ما موروثة مما تراكم في الوعي الإنساني من واقع الخبرات التاريخية المحلية والعالمية، أو قد تكون أيدولوجيا تم إنتاجها بدراسة واعية لعلاقات الوجود أو لعلاقات الوعي أو لكليهما.
تختلف الرموز ما بين أيدولوجيات نابعة من رؤى ترى أن الموجودات كماهى في الطبيعة وفي المجتمع وعلاقاتها هى الجذر الذي أوجد الوعي وموجودات الوعي، وما بين أيدولوجيات نابعة من رؤى ترى أن الوعي الخالص هو الذي أوجد كل الموجودات بما فيها الموجودات المادية، وفي المسافة بينهما أيدولوجيات وأيدولوجيات.وبصراحة وأنا بصدد توظيف الكتابة للتغيير في السودان،  فهذه الفروقات لا تهمني  إلا بشكل معرفي شخصي. ما يهمني في الحقيقة هو كل الأيدولوجيات، بغض النظر عن ترميزها للوجود، التي تستطيع أن تتمثل في رموزها السودان كوطن يتساوى مواطنيه في الإنسانية وفي الحقوق والواجبات وفي الحق في الكرامة والعدالة  والحرية غض النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم ونوعهم.
إن أيدولوجيا ماركسية ترى المجتمعت السودانية كمجتمعات ذات إقتصاد رأسمالي وطبقات برجوازية وعمالية متصارعة لتثبيت أو تغيير علاقات توزيع السلطة والثروة ، إن أيدولوجيا كهذه لا ترى السودان كما هوفي تنوعه وتعقده في الحقيقة وإنما كماهو في الصورة الذهنية الكامنة في الأيدولوجيا. عندما تصطدم هذه الصورة الذهنية مع واقع أن المجتمعات السودانية في حقيقتها مجتمعات ذات إقتصاد مشوه  تتراكب فيه العلاقات الرأسمالية مع العلاقات التقليدية ما قبل الرأسمالية والمؤسسات الحديثة مع مؤسسات إقطاعية مثل القبيلة والطائفة، وتلعب فيه البرجوازية العليا دور النبلاء والعمد والمشايخ المنتمين للأسر الشريفة، ليس لدي هذه الأيدولوجيا ما تقدمه لمهمشي المؤسسات الإقطاعية وليس بقدرة العمال كطبقة لم تتبلور بعد أن تتحمل وتنهض بمهام التغيير، عندها ليس أمام الأيدولوجيا من طريق لبدء التغيير من القاع بالجدل مع الأيدولوجيا السائدة وإظهار عجزها وإقناع الجماهير بالأيدولوجيا البديلةـ ولذا تلجأ للبديل الأسهل وهو إستلام السلطة بالعنف، وقسر المجتمعات على إلغاء مؤسساتها القائمة كالقبيلة والطائفة بالعنف لتتطابق مع النموذج الماركسي، وتقديم حل سحري شامل إسمه "التنمية" لتغيير المجتمعات، لتغيير العلاقات الإقتصادية الإجتماعية لعلاقات رأسمالية ومن ثم وبالقسر سيكون هناك إقتصاد رأسمالي وطبقتي برجوازية وعمال متصارعتين ومن ثم تتحقق الإشتراكية.
الأيدولوجيا الإسلامية بالمقابل ، والتي ترى الصراع كصراع بين الإسلام والكفر، بين الخير والشر، والمجتمعات السودانية كمجتمعات مسلمة أو يجب أن تسلم، وحل مشاكلها يكمن في الرجوع لقيم ونظم وشرائع الإسلام، إنها تحاول أن تقسر السودان المعقد في تنوعه على أن يتطابق مع صورة ذهنية أيدولوجية ، وعندما تصطدم بالآخر السوداني غير المسلم بل وبالآخر السوداني المسلم ذو الرؤية الدينية المختلفة، عندما تصطدم هذه الصورة مع واقع أن المقولات والمفاهيم الإسلامية التي أنتجت في الماضي ولشعوب مختلفة لا ترى السودان كماهو ولكن كما هو في الصورة الذهنية الكامنة في الأيدولوجيا. ليس لدي هذه الأيدولوجيا من طريقة لبدء التغيير من القاع بالجدل مع الأيدولوجيا السائدة وإظهار عجزها وإقناع الجماهير بالأيدولوجيا البديلةـ ولذا تلجأ للبديل الأسهل وهو إستلام السلطة بالعنف، وقسر المجتمعات على إلغاء مؤسساتها القائمة بالعنف لتتطابق مع النموذج الإسلامي، وتقديم حل سحري شامل إسمه "الأسلمة" لتغيير المجتمعات، لتغيير العلاقات الإقتصادية الإجتماعية لعلاقات دينية ومن ثم وبالقسر سيكون هناك صراع بين الإسلام وبين الكفر، ومن ثم ينتصر الإسلام وتقوم دولة الخلافة الإسلامية.
وهناك من ينادون بأن الحل السحري هو الديمقراطية، ويعنون الإنتخابات والبرلمان والحكومة الدورية المنتخبة والقضاء المستقل. إنها أيدولوجيا تتجاهل أن الديمقراطية تفترض مواطنين متساوين في الحريات والحقوق، تتجاهل التحيزات الموجودة في الواقع، تتجاهل أن أهل الطائفة والقبيلة لا يرون الدولة بل يرون النبلاء الذين يقودونهم على قمة القبيلة والطائفة، ولذا لا يتحركون بخياراتهم الذاتية وإنما بإشارة هؤلاء النبلاء، وبذا تستدام السيطرة البرجوطائفوقبلية، وتحول الديمقراطية الشكلية الدولة الحديثة لأداة في يد الإقطاع.
إفتراضي هنا إن الأيدولوجيات لو إشتبكت مع الواقع الحقيقي لتقاربت فيها معاني الرموز وإن إختلفت عائلة الرموز المستخدمة، فنجد أن المستَغَلْ مقابل المٌستَغِل عند الماركسيين سوف يكاد يتطابق مع الخَير مقابل الشر عند الإسلاميين، ومع نصير الحقوق والحريات مقابل المستبد عند اللبراليين ... الخ ..الخ. إفتراضي الثاني أنه ولكي يحدث التغيير لابد أن يحدث تجاوز جدلي في كل الأيدولوجيات المسودة، بحيث تنتقل من محاولة فرض صور ذهنية معدة مسبقاً لالباسها للواقع إلى نقاش الواقع وتمثل مشكلاته كماهي لحلها.
لا يهمني أيدولوجيتك (طريقة تفكيرك)، ما يهمني هو ماذا تريك أيدولوجيتك، هذا القناع المنسوج من الرموز. هل ترى مشاكل السودان كماهى في الواقع: سيطرة الأبوية وإنعدام الحريات، التراتب العرقي العنصري، سيطرة الذكورية وقهر المرأة والأطفال، نهب الشرائح الطفيلية البرجوطائفوقبلية للمجتمعات عن طريق أدوات الدولة وتجويع المواطن السوداني، تراكب المؤسسات الحديثة والمؤسسات القديمة في بنية مشوهة. هل ترى حوجتنا لدولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والحريات غض النظر عن عرقهم، غض النظر عن دينهم غض النظر عن نوعهم؟. أم هل إنك مسجون في الأيدولوجيا، في صورة ذهنية بها صراعات نبيلة، وغايات عليا سامية، ولكنها للأسف لا تمت لواقع المجتمعات السودانية، لواقع الإنسان السوداني بصلة، إنها صراعات وغايات موجودة في ذهنك فقط، وحتماً ستفشل وإن أقنعت الجميع بها، حتماً ستفشل في إلباسها للواقع السوداني الحي والمعقد.

الاثنين، 21 سبتمبر، 2015

ماركس ومركزية العقل الأوروبي


ماركس ، ورغم إجلالي له ولمنهجه الماركسي والذي إتخذه كوسيلة أساسية لتحليل الظواهر الإجتماعية الإقتصادية، إلا أن وعيه كان للأسف ممركزاً حول الوعي الأوروبي وعقلية الرجل الأبيض، فلم ير من الإحتلال الأوروبي لشعوب العالم المضطهدة ، لم ير من الإستعمار بكل بشاعته وقمعه إلا رؤية الرجل الأبيض البرجوازي الفائق القوة والحضارة وهو ينشر التمدن وعلاقات الإنتاج الرأسمالية.
في إعتقادي هذه الرؤية وهذا التحليل خاطئ تماماً، الإستعمار لا ينشر التنوير، ولا ينشر علاقات الإنتاج الرأسمالية في البلد المحتل، بل يركب هذه العلاقات الرأسمالية (كأداة نهب) في قمة العلاقات القديمة، علاقات ما قبل الرأسمال الإقطاعية القبلية.
وبهذا لا تنشر البرجوازية الأوروبية المستعمرة التحضر والتنوير، ولا تنشر علاقات الإنتاج الرأسمالية، بل تزرع في المجتمعات المحتلة ما يعوقها عن التقدم والتطور حتى بعد ذهاب المستعمر (كما حصل عندنا في السودان).
نقاطي على المنقول أدناه ما يلي:
1- كلمة بربرية حكم أخلاقي يضمر مركزية أوروبية على باقي مجتمعات العالم، ولا يقع في مجال مفاهيم الجدل المادي ولا التاريخي ولا الإقتصاد السياسي.
2- الإستعمار الأوروبي لم يكن تمديداً لعلاقات الإنتاج الرأسمالي ولا نشراً لثقافة التنوير البرجوزية، بل كان تعويقاً وهيمنة على النظم الإقتصادية الإجتماعية للشعوب المحتلة.
3- في إطار توزيع الحصص عن طريق علاقات الإنتاج الراسمالية لما تم نهبه من المستعمرات، حتى العامل الأوروبي كان له نصيب وبل البنية التحتية للدول الأوروبية التي تم بناءها بالنهب من المجتمعات المٌستعمَرة إستفادت منها كل طبقات المجتمع في أوروبا وإستمرت هذه الإستفادة لتشمل أجيالهم اللاحقة وحتى الآن.
4- تشويه موسسات المجتمعات التي تم إحتلالها وإعاقة نموها مستمر حتى الآن، بما يعني أن الوقائع الناتجة عن الإستعمار وقائع جديدة حتى التحليل الذي أنجزه ماركس بواسطة منهجه لم يشملها.
مفهوم بأنني هنا لا أحاول قبر مجهود فكري عظيم وإرث لا يزال فاعلاً في الحاضر من قبل ماركس المفكر ولكنني أنبه العقل النقدي بأن عقول البشر لها تحيزاتها الثقافية والدينية والإجتماعية، بل لها تحيزات حتى تجاه توافه الأشياء، تنسل هذه التحيزات للأفكار وللآراء وحتى للرؤى الدينية من حيث لا يشعر بها من أنتجها رغم مقاصده النبيلة، ولكن المصيبة انها تشكل وعي من يقتنعون بها عندما تركز في لا وعيهم مع مجمل الفكرة أو الرؤية التي أخذوها وقد يكون التحيز الثقافي السياسي الإقتصادي الديني ضد من يقتنعون بهذه الأفكار بالذات فيضطّهدون أنفسهم والآخرون وهم لا يشعرون.
ما أدعوا له هنا أن نعيد قراءة ما نقتنع به، ما نؤمن به، أن نعيد قراءته من موقعنا كسودانيين في مجتمعات مختلفة ثقافةً وسياسةً وإقتصاداً وإجتماعاً عن منتجي هذه الأفكار والرؤى.
 

مترجم ومنقول من البيان الشيوعي والذي كتب من قبل ماركس وإنجلز
(البرجوازية، ومن خلال التحسين السريع لكل أدوات الإنتاج، وبطرائق الإتصالات التي أصبحت سهلة بصورة هائلة، صبغت كل شيء، حتى في أكثر الأمم بربرية ، بالحضارة. الأسعار الرخيصة للسلع هي المدفعية الثقيلة التي تُدك بها كل الأسوار الصينية ، والتي من تجبر الكراهية المتعنتة للبرابرة تجاه الأجانب على الإذعان.
إنها تجبر جميع الشعوب، تحت طائلة الانقراض، على تبني نمط الإنتاج البرجوازي. أنها تحملهم على إدخال ما تسميه بالحضارة في وسطهم، أي ليصبحوا هم أنفسهم برجوازيين. في كلمة واحدة، فإنها تعيد خلق العالم على صورتها الخاصة.)

نشيد القيامة


الإستعمار البريطاني لم يجد أوان بداية الإستعمار الأيدي العاملة التي تُسير دولاب الدولة، حيث أن السودانيين المشبعين بالوعي القبلي ووعي شبه الإقطاع يحتقرون العمل المؤجر ويحتقرون من يقوم به، إعلان تحرير العبيد إذن كان لضرورة قاهرة غلفها الإستعمار في ثوب حقوق الإنسان. شَكلْ المحررين من العبيد سكان المدن الحديثة وصبغوها بثقافة جديدة غير مرتبطة (كثيراً) بالثقافة الأبوية للمجتمع القبائلي والعشائري، لثقافة شبه الإقطاع، هذا التحرر من الثقافة القديمة أعطاهم ديناميكية وفردانية وقدرات أكبر للتفكير المبدع الخلاق. وعيهم لم تكن تحده القبيلة المؤسسة، ولذا كانت رؤيتهم تتسع لتشمل السودان كله. هم أوئل الميكانيكية وأوئل النجارين وأوئل الممرضين وأوئل الأطباء،أوائل المعلمين،أوئل الضباط والجنود وأوئل الفنانيين. منهم أول من كتب عن إصلاح التعليم، ومنهم أول من كتب عن (ثقافة سودانية) في مقابل (ثقافة عربية إسلامية) كان يتشدق بها أبناء الذوات وأبناء شيوخ القبائل والطائفيين. ومنهم (ويا للعجب) أول ثائر سوداني يرى السودان (كبلد مستقل) ويجب أن يحكمه أبناؤه السودانيين ،ومن بعد ثورة علي عبداللطيف أدرك الإستعمار (إنهم كانوا مستعبدين بأجسادهم ولكن أرواحهم حرة لا تستعبد) فأبعدهم وأستبدلهم بأبناء العشائريين والقبليين والطائفيين.. كان تأثيرهم ظاهراً وكبيراً، وكان لهم (الكتلة السوداء) في برلمان الإستقلال، ولكنهم الآن ذابوا في ظلال المدن.
  لا أتكلم عن بنات وأبناء القبائل ذات الأصول الإفريقية في الهامش.
أتكلم عمن رقصنا على أنغام موسيقاهم وثقافتهم وعلمهم في المدن.
رقصنا وكنا نتجاهل عامدين حجارة العنصرية التي كنا ندفنهم بها (وهم مستمرون في الغناء)،
ومازلنا، وما زالوا 

أتكلم عن العبيد المحررين ، عن أبناءهم وأحفادهم هنا سأغنيهم
 أغني لروحهم الوثابة
 أغنى لمن صنعوا مدننا وشكلوا وعينا الحديث
 حتى ينهضوا ويهزموا هذا (الهمبول) العنصري
ولهم سأغني ومعي أرواح أسلافهم العظام
(إنهضوا فقد جاء وقتكم).

الأحد، 7 يونيو، 2015

التفكير بعقلية التغيير

في طريقة التفكير السائدة في السودان شكل علاقات المنظمات المختلفة ،الأحزاب والرؤساء، الشركات والمدراء ،المبدعين والمعجبين  ... الخ، شكل علاقات المنظمات والمؤسسات المختلفة ومن يديرونها يشبه شكل علاقة المريدين، الحواريين (المفتقرين للرأي، للمال، للعلم، للخطط، وللقرب من الله)، بالشيوخ (المالكين للمال والرأي والمعرفة والقداسة) .حتى وإن جاءت بالزعيم،الشيخ،المدير والمبدع توازنات لا علاقة لها بما يترأسه، كالعمر، أو أن يكون من الأسرة صاحبة العمل مثلاً .
الأساس المادي(الإجتماعي) لطريقة التفكير السائدة كامن في علاقات إنتاج شبه الإقطاع، فيها مثلاً شيخ القبيلة يملك القطعان والمراعي وتشتغل عليها باقي القبيلة بما يقيم أودها ويجعلها تستمر في الحياة. إذا إحتاجوا يلجأون لشيخ القبيلة وأرابيبها، وإن أرادوا الزواج إتجهوا لهم، وإن فاجئتهم الحرب يلجأون لشيخ القبيلة والفقير والأرابيب فرسان القبيلة لرد المعتدي. العلاقات دي في أوان بداياتها وحتى بزوغ علاقات الإنتاج الرأسمالية ومعها البرجوازية والعمال كانت تقوم بتطوير المجتمع وتحميه ، ولكن بدخول الإستعمار الإنجليزي على الخط وإدخاله لآلة الدولة الحديثة بدون تنوير وديمقراطية وحقوق وحريات، كان الإستعمار محتاجاً لنظام إداري وطريقة تفكير سائدة تخدمه فعالة وقائمة على الأرض، ولذا قام بتركيب الدولة الإستعمارية، آلة النهب الحديثة، فوق نظام شبه الإقطاع القائم بقبائله وشيوخه ومكوكه وأرابيبه وأمراؤه وعمده. أصبح عندنا تركيب غير متجانس لمنتج حداثي بكل مؤسساته التشريعية والقانونية والتنفيذية وهو دولة النهب الإستعماري، مركب على علاقات شبه الإقطاع القبلية الطائفية. وأصبح عندنا مجتمع شبه حضري يحكم ويدار من قبل أسر زعماء الطوائف وشيوخ القبائل، وطريقة حياة عصرية ليبرالية عند بعض الحضريين محاطة بالهجوم الكثيف عليها من قبل طريقة تفكير شبه الإقطاع، طريقة التفكير السائدة.
لو  أن التدخل الإستعماري لم يحدث قط، لقامت القوى الحية في المجتمع بواجبها في تطوير طريقة تفكير جديدة بعيداً عن الأبوية والذكورية والقداسة والعنصرية التي تسم طريقة التفكير السائدة آنذاك. ولذا ولأن الإستعمار بهذا الربط بين القوى الطائفية والقبيلة مع الدولة الحديثة أنتج لنا مركباً ووقائع جديدة لا تسري عليها مناهج التغيير المجربة، لذا لابد للمثقفين  والنشطاء والثائرين من إجتراح طرق ومقاربات جديدة، لفصل القوى القبيلة والطائفية عن الدولة الحديثة، وإشاعة التنوير والديمقراطية والحريات والحقوق بديلاً عن الأبوية والوصائية والقداسة والعنصرية.
في طريقة التفكير الجديدة من المفترض أن يأتي الزعيم ويخرج من نتاج عمله ومبادراته وقدراته على الأرض، وليس لميزة ورثها أو إدعاها.لا يجب أن تقوم تنظيمات التغيير على زعيم أو حلقة ضيقة من المميزين من المتحدرين من أسر (ذات أصل) أو ذات قداسة أو ذات إرث إجتماعي ما، بالطبع هناك مبادرين ومنجزين سيقومون بالمباداة، ولكن يجب أن تحتوى لوائح هذه المنظمات على ما يجعلها لا ترتمي في أحضان طريقة التفكير السائدة التي تريد ان تغيرها، مثل إتاحة المنافسة للعضوية بشفافية لإظهار قدراتها. وأهم بند في رأيي في منظمات التغيير هو: أن لا يسمح للرئيس بغير مدة رئاسة واحدة، حتى لا يسهموا في خلق شيخ أو زعيم دكتاتوري جديد.على منظمات التغيير أن تعلى من أصوات المؤسسات داخلها: كأن تصرح وحدة الإعلام بدلاً من أن يصرح فلان وعلان.هذا على أن لا يؤخذ ما أقوله في كلامي بحرفيته، فللأفراد وقدراتهم دور عظيم، ويجب أن يبرز هذا الدور ولكن في توازن مع ديمقراطية وشفافية وقيادة المؤسسات.
خطوات التغيير
1- أن تكون هناك مؤسسة تعمل على تغيير الأفراد والمؤسسات وعلى تغيير النظام ككل. 2- أن تكون هناك رؤية يراد تحقيقها.
3- أن يستخرج من هذه الرؤية الأهداف النهائية (الأهداف الإستراتيجية).
4- أن تكون هناك دراسة عامة للواقع تحدد المسافة بين الرؤية والأهداف الإستراتيجية والواقع.
5- أن تحدد الدراسة مكامن الضعف والقوة فينا، ومكامن الفرص والمخاطر في المحيط من حولنا.
6- أن توضع خطة عامة (خطة إستراتيجية) تحدد توضح مسارنا من موقعنا الحالي وحتى تحقيق الأهداف النهائية (الإستراتيجية)، مع تحديد الزمن اللازم لتحقيق الخطة.
7- يجب أن تنبني الخطة على ربط مكامن قوتنا بفرصنا في المحيط من حولنا، تفادي مكامن ضعفنا وتقليل المخاطر في محيطنا.
8- أن تكون هناك دراسة تفصيلية للواقع تحدد المسافة بين الرؤية والأهداف المرحلية والواقع.
9- أن تحدد الدراسة مكامن الضعف والقوة فينا، ومكامن الفرص والمخاطر في المحيط من حولنا.
10- بناء خطط تفصيلية للخطة العامة (خطط تكتيكية)، مداها الزمني أقصر وتعمل لتحقيق الأهداف المرحلية، تبنى الخطط التفصيلية بناء على دراسة الواقع التفصيلية.
10- إعادة تخطيط هيكل المؤسسة بناء على هذه الخطط (الإستراتيجية والتكتيكية).
11- البدء في في تنفيذ الخطط مع مراقبة المحيط وقياس المخرجات ومن ثم إعادة الناتج بتغذية راجعة لمقارنته مع الخطط ومدى إنحرافه عنها.
12- البدء من الخطوة 2 أعلاه بمراجعة رؤيتنا من جديد.

الأربعاء، 3 يونيو، 2015

إصلاح الخطأ في (اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير) !

"مع الجماهير ... لا امامها ولا خلفها ،مع الجماهير منها واليها"

المقولة دي بي يساء فهمها لي درجة فظيعة من قبل اليساريين، بي يساء فهمها لي درجة إنو هم ذاتم بي يتحولو لي تقليديين محافظين.. كيف الكلام دا؟!!
رواد التغيير لازم يكون عندهم أهداف إستراتيجية زي: دولة ديمقراطية علمانية، دولة الحقوق والحريات، دولة المواطنة.
أها في سعيهم لتحقيق أهدافهم الإستراتيجية دي، لازم يحققوها مع الجماهير، يعني ما ممكن يقعدوا ينقو في الناس لازم نحقق العلمانية العلمانية والناس العلمانية ذاتا ما عارفنها شنو. عشان كدا بي يبدو يشتغلو مع الناس في قضاياهم الحالية، قضايا المعيشة مثلاً وقضايا الحريات اليومية، كأهداف تكتيكية تحقق التضامن بين الناس وتحقق الثقة في رواد التغيير وترفع من وعي الجماهير.
 

أها المشكلة وين؟!! المشكلة إنو تكون طارح في أهدافك الإستراتيجية الحريات الفردية، ومنها حرية أن تلبس الفتاة ما تريده بدون ان تجرم.تقوم إنتا تقول أنا مع الجماهير لا امامهم ولا خلفهم تقوم تتبنى أفكار الناس العاوز تغيرهم ، وتهاجم البنات البي يلبسو (زي مخشلع حسب رؤية الناس) مع إنو اهدافك النهائية إنك توصل الجماهير لي إنو يحترمو الحريات الفردية.
المشكلة إنو التكتيكي وهو إنك تكون مع الناس في معاركهم اليومية يخليك تتخلى او تتناقض مع الإستراتيجي وهو اهدافك النهائية العاوز تصل ليها وتوصل ليها الجماهير.
في ناس كتار ما إنتبهو للفرق دا (كن مع الناس في معاركهم اليومية ولكن لا تتخلى ولا تتناقض مع اهدافك النهائية)، والما إنتبه دقس،ويبقي رؤيتو زي رؤية الناس العاوز يغيرهم، وبقا هو ذاتو محتاج تغيير.
الفرق بينك كرائد للتغيير وبين الآخرين إنو عندك أهداف بعيدة المدى عاوز تحققا
حتى لو ما حا تتحقق الآن لازم تدافع عن أهدافك الأستراتيجية وتحافظ عليها،لازم تدافع عن الحريات والحقوق لو ناقشوك فيها، ولازم على الأقل ما تهاجم من انتهكت حريته إذا ما قادر الآن تقيف معاه.

ما تتماهى مع السائد، فأنت كرائد للتغيير مؤمن بالحقوق والحريات، مدافع عن الحقوق والحريات، فإن كان وعي الجماهير الآن ومقدار ثقتهم فيك لا يسمح لك بالمجاهرة بهذا الإيمان، فعلى الأقل لا تفصح بضد أهدافك الإستراتيجية في تحقيق دولة الحقوق والحريات، لا تكن مع من يقمعون ويقهرون المنتهكين، وتضامن مع الضحايا ولو بقلبك ..وذلك أضعف الإيمان.

السودان وأزمة دولة مابعد الإستعمار -2-

طبعاً أنا البقولوا إنو دولة الإقطاع المركزية في السودان أنشأتها المهدية وتم تحطيمها بعنف الإستعمار الإنجليزي، أما السائد الآن فدا نموذج لم يؤسس له أيديولوجياً وإقتصادياً إجتماعياً، فنحن أمام ما يمكن أن نسميه (دولة ما بعد الإستعمار)، حيث قام المستعمر بصهر الطبقة الحاكمة ومؤسسات الإقطاع مع البرجوازية العليا ومؤسسات الحداثة، فأنتج نظاماً هجيناً لا عن طريق التطور الداخلي للمجتمعات، وإنما عن طريق القهر. وفي فهم هذه الحقائق مفتاح أزمتنا.


قلتا أنا أن الإستعمار زاوج بين طبقتين، نبلاء الإقطاع والبرجوازية، بالصهر والقمع الإستعماري لا بتطور وصراع القوي الفاعلة في المجتمعات السودانية، فأصبح المجتمع والأفراد مزدوجي الشخصيات (من حيث طريقة التفكير) فهناك شكل حداثي في أقله يكون في إستخدام منتجات الغرب، وهناك شكل إقطاعي سلفي في أقله يكون في التحرر أمام الصديقات والزميلات وقمع الأخوات والزوجات . أها كل نصف من ذواتنا المتناقضة في الأفراد والمجتمع بي ينزع للتطور الكامل نحو الشكل الصافي لما يمثله. إذن فرواد وقادة السلفية في المجتمع لا يرون في الصادق والترابي إلا النصف النفعي اللبرالي، ورواد وقادة اللبرالية لا يرون في الترابي والصادق إلا سلفيتهم ومحافظتهم على القديم. وفي الحقيقة الصادق والترابي يمثلان بصدق المزيج الجديد الذي تم بصهر البرجوازية والإقطاع في طبقة واحدة لتحكم وتسيطر على المجتمع بالوكالة عنه. ولذا يجب على رواد التغيير أن يركزوا على فك هذا الإشتباك، هذه السبيكة البرجوطائفية، أو الطائفوبرجوازية. وفرز القيم الجديدة عن القيم القديمة.


الرابط الأساسي للمؤسسة القبلية هو العرق، ,والقبائل في النظام القبلي لا تترتب رأسياً كقبائل سائدة وقبائل مسودة، وإنما تترتب أفقياً في علاقات الحرب والتفاوض والصراع على الأرض ومنتجات الطبيعة. وعندما تتحول القبيلة لوحدة بنائية مندمجة مع دولة الإقطاع تقوم مراكز السلطة بإستخدام العرق مدعية تفوقها العرقي ونسبها الشريف وإستحقاقها للسلطة بناءاً على هذا النسب، وبذا يتحول دور العرق من رابط إجتماعي إلى رأسمال إجتماعي. وإذا تم تصنيف عرق ما على أنه شريف فهذا يتضمن تراتبية للأعراق من أشرفها إلى أوضعها وما بينهما، وتتحول العلاقات بين القبائل إلى علاقات رأسية بين قبائل سائدة وقبائل مسودة. فإن لم تكن هذه هى العنصرية فماذا تكون؟. إذن طريقة التفكير السائدة في القبيلة الإقطاعية تحديداً تتسم بالعنصرية. يجب أن ينتبه الناس لتغير الدور المنوط بالعرق والهوية القبلية مع تغير السياق الإجتماعي الإقتصادي، ففي النظام القبائلي العرق هو العلاقة التي تربط الناس بالمؤسسة القبلية، كما يربط العمل الموظفين بالشركة، بينما في النظام الإقطاعي يتحول العرق لأيدولوجيا للقهر والتفوق ورأسمال إجتماعي بيد مراكز السلطة. أتوقع أن تتحول الهوية القبلية في الدولة الحديثة لفرع من الهوية الأشمل ، الهوية الوطنية، وأن تكون وظيفتها التصنيف والإنتماء لا كما تعنيه الآن من إمتيازات أو تحقير. إذن القبيلة بذاتها لا تعني العنصرية، ولكن في سياق الإقطاع (أي القبيلة الإقطاعية) فبالتأكيد هى تعني ذلك وأكثر.


في نظام إقطاعي سائد في بلد متعدد الإثنيات الطبقة المسيطرة لتحافظ على الثروة والسلطة طريقة التفكيرالتي تنتجها بي تقول أن هناك أسراً نبيلة ويصدف للسخرية إنها من نفس عرق الطبقة المسيطرة، ويصادف لحظهم أيضاً أن هذه الأسر هى الممسكة بمراكز السلطة، ومن ثم يقوم تراتب محدد، تستفيد فيه هذه الأسر مثلاً من 90% من ثروات البلاد، ال 10% الباقية يستفيد بها عرقهم في شكل خدمات، ومع ذلك عدا هذه الأسر النبيلة فعرقهم ذاته هم مهمشين ومقهورين مثل باقي الأعراق، ولكن باقي الأعراق قهرهم وتهميشهم أدهى وأمر. الأعراق التي يتطابق عرقها مع الطبقة الحاكمة تستفيد من هذا الرأسمال الرمزي مادياً ومعنوياً، أولا للفتات الذي ينالونه من الطبقة الحاكمة وثانياً لأن طريقة التفكير السائدة تفتح الطريق أمامهم وتمدهم بالأمل بأن لا شئ يقف امام زحفهم للوصول لمركز الطبقات الغنية، ولذا تجدهم يدافعون عن قيم طريقة التفكير السائدة. الممسكين بمراكز السلطة عند المهمشين أيضاً يتحالفون مع الطبقة المسيطرة ويعيدون نشر طريقة التفكير السائدة ولكن بجعل أسرهم هى مركز الهامش، ولكن دورهم في المركز البرجوطائفي لا يتعدى دور االتابع ومنفذ أوامر السادة (إلا إذا إنفصلوا بالطبع وبنفس طريقة التفكير السائدة وعندها يتكرر نفس النموذج عندهم كما في الجنوب).


من الطبيعي دائماً أن يكون هناك تفاوت بين المركز والهامش في النظام الإقتصادي الإجتماعي، ولكن دائماً ما يكون النظام يسوده الإتساق بسيادة الإقطاع أو الرأسمالية مثلاً، يعني الفرق بي يكون فرق درجة ما فرق نوع .
 في حالة دولة ما بعد الإستعمار كما عندنا، الفرق بين المركز والهامش هو فرق نوع، تجد في المركز أن الحداثة عالية الصوت مادياً وأيديولوجياً، ومن يصنعون الفعل ويمسكون بمراكز السلطة هم برجوازيون أكثر، والمؤسسات الإقتصادية الإجتماعية تغلب عليها الحداثة، الشركات، الأحزاب، النقابات .. الخ، حتى وإن كانت الحداثة شكلية وتديرها طريقة تفكير البرجوطائفية الملتقة مع ميل أكثر نحو اللبرالية. 
كلما زحفنا للهامش يظهر الشكل والمحتوى الإقطاعي القبلي والطائفي، والإقتصاد القديم، والقمع المباشر من سادة القبائل وشيوخ الطرق الصوفية للأتباع ونهب قوة عملهم الجسدية، وتصبح طريقة التفكير البرجوطائفية وصائية أبوية وذكورية أكثر.

التقسيم الهوياتي والعرقي مظهر من مظاهر أزمة دولة ما بعد الإستعمار والإنتباه لمظهر الأزمة فقط في التقسيم لمركز وهامش يحيلنا لمركز أصم متشابه، وهامش أصم متشابه ويهمل التناقضات الجسيمة داخل كلاً من المركز والهامش.
الأزمة كما ذكرت أعلاه تتمثل في كافة المستويات فهى أزمة وعي في طريقة التفكير السائدة الغارقة في الأبوية والذكورية والعنصرية، وهى أزمة مؤسسات إن كانت  تقليدية أو  حتى وإن كانت حديثة شكلاً ولكنها تدار عن طريق الأرابيب والمكوك والشراتي والمقاديم الذين لا يرون الناس إلا ما يرون.


يجب أن ننتبه.


الحل في رأيي هو في دراسة مؤسسات المجتمع سواء كانت في الحضر أو الريف، في المركز أو الهامش، دراستها وتفكيكها بغرض تجاوزها لمؤسسات توفر للمواطن حرياته وحقوقه، تجاوزها لمؤسسات ديمقراطية، خالية من الإستعلاء والقداسة.

الخميس، 28 مايو، 2015

طريقة التفكير (الأيدولوجيا)

البي يحدد موقعك الطبقي هو موقعك في علاقات الإنتاج، وموقعك في علاقات الإنتاج بي يتحدد بي حصتك من فائض الإنتاج،وتقسيم الحصص دي بي يتم على مستوى المجتمع كلو.
وشكل علاقات الإنتاج هو البي يحدد شكل العلاقات في المجتمع، وين مراكز السلطة، ووين باقي الطبقات والعلاقات بيناتم شكلها شنو.
الإنتاج عشان يتحقق بي يحتاج لي وسائل الإنتاج من مواد خام، أدوات إنتاخ، وعمال وموظفين وهلمجرا.
لكن قبل كل دا الإنتاج بي يحتاج لي طريقة تفكير (أيدولوجيا، وعي) يحدد لي كل زول دورو ويخليهو مقتنع بيهو في العملية الإنتاجية.
العامل عشان يعمل، والزارع عشان يزرع ، والراعي عشان يرعى، والموظف عشان يشتغل،والمهندس عشان يهندس، والمدير عشان يدير، وصاحب المال عشان يربح، محتاجين لي طريقة تفكير تحدد ليهم أدوارهم ،تبرر ليهم ادوارهم بل وتخليهم فخورين ومدافعين عن الأدوار دي.
إذا كانت وسائل الإنتاج ضرورية لإنتاج الإنتاج، فطريقة التفكير(الأيدولوجيا، الوعي) ضرورية جداً لإعادة إنتاج الإنتاج.
طريقة التفكيرالسائدة بي يتم إنتاجها من مراكز السلطة في المجتمعات، ووظيفتها زي ما قلتا إعادة إنتاج الإنتاج، يعني إعادة إنتاج المجتمع بشكل علاقاته القائمة الآن أو باحسن منها ولمصلحة مراكز السلطة في المجتمع.
طريقة التفكير بي يتم زراعتها إبتداءاً من الأسرة، والتعليم، والمجتمع ،ووسائل الإعلام، والكتب والصحف، وأحاديث رموز المجتمع.
إذا تدمرت وسائل الإنتاج، المصانع، البنية التحتية ..الوسائل المادية لمجتمع ما عموماً فإنه قادر تماماً، ولن يفعل غير أن يعيد إنتاج نفسه وعلاقاته إنطلاقاً من طريقة التفكير فيه، بمعنى أن مجتمعاً ديمقراطياً إذا تدمر بفعل الحرب فإن الناجين منه لن يعيدون بناء مجتمعهم إلا على النسق الديمقراطي، إنطلاقاً من طريقة تفكيرهم.
ولذا التغيير يبدأ من طريقة التفكير، والتغيير هو تغيير طريقة التفكير
صحيح أن هناك علاقة جدلية بين درجة التطور المادي لمجتمعٍ ما وطريقة التفكير فيه. وصحيح أن التغيير في طريقة التفكير والواقع المادي يتبادلان التأثير. ولكني أشدد هنا على ما يهمله المنظرون:
التغيير هو تغيير طريقة التفكيرالسائدة لإعادة إنتاج مجتمعنا على نسق ديمقراطي يراعي الحقوق والحريات.
مرجع : التوسير، الايدولوجيا والادوات الأيدلوجية للدولة

الأربعاء، 27 مايو، 2015

وماذا نفعل مع النضال المسلح ؟!!

طيب قلتا إنو النظام أي نظام عنده نوعين من أدوات القمع: أدوات القمع الباطش زي الشرطة والأمن والجيش، وأدوات القمع الناعم ودي بي تتمثل في طريقة التفكير السائدة وما تنتجه من وعي (رؤى، تصورات ومفاهيم وقيم وأخلاق ..الخ).
أدوات القمع الناعم (طريقة التفكير السائدة ومنتجاتها) يتم صيانتها وإعادة إنتاجها وترسيخها في المجتمعات عن طريق ما تعيد إنتاجه على الأرض من مؤسسات تربوية وتعليمية وقانونية .. الخ.
أدوات القمع الباطش (الأدوات العسكرية) يتم إستخدامها إما عندما يحاول النظام تنقية نفسه من أقلية مارقة على قيمه ورؤاه وتصوراته بإعتبار أن هذه الأقلية تمثل تهديداً له في المستقبل البعيد
وفي نفس الوقت فأن طريقة التفكير السائدة تضبط بقية المجتمع ليقف ضد هذه الأقلية، وإما عندما تعجز طريقة التفكير السائدة عن توفير شرعية للنظام تسمح له أن يستمر
وعندها تضطر مراكز السلطة في النظام لإستخدام أدوات القمع الباطش بما أن أدوات القمع الناعم لم تعد ذات فائدة.
إذن الوظيفة الرئيسية لأدوات القمع الباطش هي حراسة طريقة التفكير السائدة ومنتجاتها والعمل كأمتداد لها في حالة الضرورة والتهديد.
بما أن النظام الإجتماعي الإقتصادي إنما يعيد إنتاج وصيانة نفسه عن طريق إعادة إنتاج طريقة التفكير السائدة فيه كمؤسسات على الأرض، ولذا لهزيمة (تغيير، تطور) النظام الإجتماعي الإقتصادي لابد للجماعات الساعية للتغير أن تنتج طريقتها الجديدة للتفكير وأن تستخدمها لبناء مؤسساتها الجديدة في الواقع الإجتماعي الإقتصادي ، مؤسساتها للقمع الناعم ،مؤسساتها للتربية والتعليم والقانون والأخلاق والرؤى الدينية لحراسة وصيانة وإعادة إنتاج طريقة التفكير الجديدة.
وما موقع الكفاح المسلح هنا؟!!
فقط أقول أن هزيمة ادوات القمع الباطش للنظام، هزيمة أدواته العسكرية لا تكفي (أبداً) لإقامة نظام جديد، لانه كما اسلفت القول، إذا لم تتغير طريقة التفكير السائدة في النظام المهزوم عسكرياً من قبل الثائرين عليه (إفتراضاً)، إذا لم يقم الثوار (المفترضين) بالمساهمة مع المجتمعات في بناء طريقة تفكير جديدة لها مؤسسات جديدة،
وهذا بالتوازي مع تغيير المؤسسات التقليدية القائمة من قبائل وطرق صوفية وتنظيمات عشائرية،  إذا لم يقوموا بزرع التغيير داخل المؤسسات التقليدية وحث أتباعها أن يغيروها من داخلها، فإن طريقة التفكير السائدة في النظام تهدد وستقوم بإعادة إنتاج نفس النظام كما كان او أحسن، وما سيتغير فقط هو (أدوات القمع الباطش).
كلامي هنا وتحليلي يتوجه لحركات الهامش، التي إفترض نظرياً أنها سبيكة إجتماعية خلفها لنا الإستعمار، تتكون هذه السبيكة من مؤسسات إقطاعية يتحكم فيها البرجوازيين (سكان المدن، أبناء الحداثة الإستعمارية، أرستقراطيي الإقطاع ،أبناء شيوخ القبائل والطوائف سابقاً) والذي لا يختلف البتة عن النظام الإقتصادي الإجتماعي في الدولة ككل. إن أرادت هذه الحركات القيام بتغيير حقيقي وبناء نظام جديد ، فعليها العمل (مع) الجماهير على الأرض، لكي تبني المجتمعات طريقة تفكيرها الجديدة رؤاها ومفاهيمها واخلاقها ومؤسساتها الجديدة وتغيير المؤسسات القائمة (لا أن تفرض عليها من الزعامات التاريخية المعصومة)، وإلا فأن هذه الحركات تجازف بإعادة إنتاج نفس النظام الذي تحاربه.

صورة الإله في العلاقات الإقتصادية الإجتماعية

"هاك أنبيائك سالمين
وأنزل ... مسافة تهبشك غنية
واناولك كاس"
عاطف خيري


في هذا المقطع من قصيدة "سيناريو اليابسة" يقارب الشاعر فكرة محو شعب من قبل الخالق بناءاً على عصيانهم له، ويحتج على الصورة المرسومة للإله في الأديان الإبراهيمية ويطالب برب حميم، يشارك الإنسان محنته الوجودية ،إله لا يعتبر الإيمان أو الإلحاد، الخطأ والصواب، الحسنة والمعصية معياراً ليتعاطف مع البشر.
ما أريد أن أشاركه الناس هنا، أنه وبغض النظر عن معرفة وعلم المتدينيين أو عدم معرفتهم فأن تصوراتهم الدينية لها علاقة بوجودهم الدنيوي وبل يؤثر ذلك التصور على المؤسسات الدنيوية ويغيرها.
إن التصورات التي تشمل إلهاً يصدر عدد من الأوامر والنواهي ويطالب العابدين بإتباعها غض النظر عن فهمهم لحكمة مشروعيتها، ومن ثم يعاقب العاصين والخارجين على هذه الأوامر والنواهي بعقوبات قد تتسبب في إنهاء حياتهم التي خلقها فيصيروا خارج زمرة الأحياء الذين يعملون لربهم سواء بعصيانه او طاعته، إن هذه التصورات تجد صداها وتطبيقاتها في حياة المجتمعات فتجد إنعكاس صورة هذا الإله في (الأب) ، (وشيخ) الطريقة، و(زعيم) الحزب و(رئيس) الدولة الذي يؤمر فيطاع وإلا فإنتظر عقاباً وحشياً بالضرب أو النبذ خارج الدائرة أو حتى بالقتل.
تسود هذه التصورات عندنا منذ بد ايات الإقطاع السوداني وحتى الآن، وتؤثر في التربية والتعليم، في السياسة وفي الإقتصاد، وفي حقوق وحريات الأفراد والمجتمعات.في المقابل فإن تصورات عن إله محب ورحيم، يقف مع المؤمنين به وغير المؤمنين في كل الأحوال ويفسح لهم مجالاً للإختيار والحرية الغير مشروطة بداهة يقابله مجتمع الحريات والحقوق والديمقراطية.
صدق أو لا تصدق، ولكن تصوراتك عن الإله وتصوراتك عن الدين تساهم في تشكيل المجتمع : نحو الحرية والإنعتاق، أو نحو الكبت والإنغلاق.
رأيي من خارج الأديان بخصوص الأديان هو: إن العقائد والأديان هي إستجابة لأسئلة وجودية عميقة بدأت مع بزوغ فجر المجتمعات الإنسانية وستظل هذه الأسئلة موجودة ما دام الإنسان، وأن قدرة العقل الإنساني على التأويل لتجاوز أثر سياقات تاريخية في انتاج الخطاب الديني السائد لإنتاج خطاب معاصر لدين معين لا يحدها حدود. ولذا لن تنقرض الأديان ولكن بالتأكيد ستتغير رؤاها وتأويلها.ولذا لا يهمني أن يلحد السودانيين، ولا إعتقد بأن إلحاد السودانيين سيحل أزمات السودان. في إعتقادي أن ما سيحل أزمات السودان أن تنتج رؤى جديدة بواسطة نخب الأديان والعقائد المختلفة بمن فيهم الملحدين، رؤى متسامحة تتقبل الأخر وتستبطن الديمقراطية والحريات والحقوق.


وربما يقوم المؤمنين في السودان من مسلمين ومسيحيين وأصحاب ديانات سودانية وغيرهم ، ببناء تصوراتهم عن الإله التي ستتطابق مع ما يطمح له السودانيين من إنسانية و(حرية) وإخاء وعدالة.

الثلاثاء، 26 مايو، 2015

دولة مابعد الإستعمار : أهداف ورؤى التغيير

مشكلة النظام الإقتصادي - الإجتماعي في السودان، أنه ومنذ الإستقلال وبعد أن تبينت عوراته، وهى ببساطة : 
عجز النظام عن أن يلبي حوجات السودانيين والسودانيات في ادارة الموارد وتوزيعها بكفاءة وفي العيش بكرامة وحرية ومساواة.
  بعد أن تبينت عورات النظام صارت مراكز القوى فيه تتناوب الصراع والإمساك  بالسلطة بزعم (وربما بنية خالصة) لإنقاذ النظام الإقتصادي-الإجتماعي من الإنهيار، في ظل هذا التناوب والتصارع جوهر مؤسسات البلد الإجتماعية الإقتصادية يظل كما هو (شكلياً مؤسسات حديثة، تسيطر عليها طريقة التفكير السلفية الأبوية العنصرية وتديرها عقلية الأب/ الشيخ/ الزعيم الملهم / إبن الأصول الذي لا لا رأي غير رايه) بل وتغدو المؤسسات أكثر فشلاً، ويا للغرابة تسعى القوى الحية في المجتمع مع (القوى المسيطرة إجتماعياً ومزاحة من السلطة) لكي تستعاد الديمقراطية .. ولكي يستعاد الفشل.
فإستعادة الديمقراطية هنا لا تعني في الحقيقة غير:
إستعادة النظام الخرب المشوه الذي خلفه لنا الإستعمار

بطوائفه وزعماءه، بطبقته الوسطى المترددة التي تستقوى إما بالسلطة السياسية للدولة او بسلطة الشيوخ والزعماء الإجتماعية.

النظام نظام بمراكز سيطرته وبمراكز المقاومة فيه في وحدة واحدة.... بجلاديه وبالمعذبين فيه في وحدة واحدة.... بطريقة التفكير السائدة فيه ..وطرق التفكير المسودة فيه في وحدة واحدة... إلى أن يتم التجاوز والإختراق لي تركيبة يولد فيها الجديد ويفنى من القديم شئ ويبقى منه شئ ولكن في سياق جديد..
 النظام الإقتصادي الإجتماعي عاجز ومنذ الإستقلال وحتى الآن عن إنجاز هذا التجاوز... لان ألهدف الذي يشتغل عليه دايماً هو إنجاز الديمقراطية الشكلية وهي ليست كافية لإنتشال النظام الإجتماعي الإقتصادي من أزماته . القوى الحية في المجتمع لم تتنازل شبراً ولم تتراجع في تضحياتها ولكنها تستنفذ نفسها في إنجاز التغيير الشكلي في حين أن المشكلة الحقيقية تكمن في قاع النظام الإقتصادي وتجره نحو الأسفل.
المشكلة ليست كفاءة القوى التي تريد التغيير

المشكلة في أهداف ورؤية التغيير فهي دون الحد الأدنى لحل أزمة النظام الإقتصادي الإجتماعي،ولذا نعود لنفس الدائرة ، لنفس الحلقة الشريرة من جديد.
أننا مثل من يحمل صخرة ويحملها بمشقة وتعب وعبر الأشواك والهوائم والسوائم ومنحدارت ومهاوي مهلكة ليضعها لا على قمة الجبل (الأهداف) كما هو مفترض ولكن على مسافةٍ منها، ومن ثم تتدحرج الصخرة للسفح ويعاود السودانيين والسودانيات رحلة عذابهم من جديد.
نحتاج لقادة رؤاهم أوسع ينبهوننا لقمة الجبل، ويحملون معنا الصخرة ويصلون معنا لأهدافنا الكافية حتى لا تتدحرج الصخرة.
لابد من من أن تضع القوى الحية في المجتمع رؤى واهداف جذرية وتراهن عليها وتدفع كلفتها حتى نرى تغييراً حقيقياً.


رواد التغيير وهم يثبتون عيونهم على الأهداف الجذرية الإستراتيجية ويبقون حركة الجماهير مرتبطة بها، في نفس الوقت يتحركون مع الجماهير لخوض المعارك التكتيكية برؤى منسجمة مع الرؤية الإستراتيجية. خوض المعارك التكتيكية فقط دون التركيز على أهداف التغيير الجذرية يحول مؤسسات التغيير لمؤسسات تشابه ماهو موجود وشائه في المجتمع، والإنشغال بالرؤية الكلية فقط يجعل المسافة بين الجماهير والقادة بعيدة. لذا المعركة هى بين الإثنين، خوض المعارك اليومية مع التمسك والتبشير برؤية واهداف التغيير الكلية.
أنا أرى هذه الأهداف في : التحول من دولة ما بعد الإستعمار إلى دولة الحداثة، من دولة تختلط فيها مؤسسات الإقطاع مع مؤسسات الحداثة، وعقل الإقطاع مع عقل الحداثة، التحول  لدولة العلمانية الديمقراطية، دولة المؤسسات الحديثة، دولة الإقتصاد الرأسمالي المختلط، دولة الضمان الإجتماعي في مواجهة الفقر، الجوع، العطش والمرض، دولة المواطنة، دولة الحقوق والحريات، دولة الفيدرالية.
لابد من أن يظهر قادة حقيقيين مكتملي الخيال
قادرين على وضع رؤى واهداف تتجاوز ماهو موجود 
منذ الإستقلال وحتى الأن
قادة يجيدون المساومة جداً ... ولا يساومون أبداً (فيما هو مبدئي).

الاثنين، 25 مايو، 2015

إكتمال


حكمة أخطائي الفادحة وأنا أدلف للخمسين
خياراتى التي إنزوت لأكبر كَرَجُلٍ مسئول.
غالية خبرتي ولكن سوقها كاسد
عند الرجال الصغار الذين يكبرون.


مذ رميته وانا واقف على كوبري امدرمان القديم
في مساءٍ أشبه بلعبة الطرة والكتابة
إبتلعته المياه وهو قانطُ
إذ لا كراهية أو محبة عندي
فقط لا مبالاة مشتتة كالشفق 
ولكن بلونٍ محايد.


لم يعد شعر جلدي يقف 
عند ولوج المعمى
ولا تطعنني المسامير في حلقي
من الفجاءة
والشرارات لا تنبعث
من توقع إبتسام الحبيب.


ما رميته كان أنا
كان أحتمالي
بعد ما ظننت إنه إكتمالي 
وإنعدام الإحتمالات.

خـــــــــروج

    الفونجاويات في مجلسهن،
    أمي عاكفة على الكانون،
    سليلات الآلهة لا ينشغلن بالدنيوي،
    يشربن القهوة بنكهة النميمة الملكية على كل حال.
    ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
    أبى يختلس حياتنا 
    مما غفل عنه الأرابيب والمكوك،
    يدسه في الكرنق الهامشي،
    يدسنا في الكرنق الهامشي،
    يدسنا في الحياة.
    ،،،،،،،،،،،،
    لم يختبر قرآءة الغيوم والشجر،
    ولا أفرغ القطب في قلبه المعارف 
    والنسب الهاشمي،
    ولا أنشغل بالتجارة 
    عن ساقيته الأبدية.
    تربال ، يعبئ دمه في القواديس،
    ماينمو في الأحواض والتقانت،
    ينتهبه الاسياد في التقاة ،
    وما بقى للبصير والفقير والصمد.
    ،،،،،،،،،،،،،،،،،
    مُهملين من أولاد الإصول،
    في هامش لا تتناوبه الشمس والظل،
    حجابات الفكي لا تترصد من لا يُرى،
    متخففين من العادة والعرف ،
    خرجنا

عاش نضال الطبقة البرجوازية !!!

واحدة من اكبر المشاكل ومشكلة غميسة جداً والناس بي يتعاملوا معاها كبديهية هي:(الطبقة العاملة هى التي ستقود التغيير في السودان). والمابقول الطبقة العاملة بي يستبدلها بي (المفهورين والمسحوقين والمهمشين).
نحنا ما عندنا إقتصاد رأسمالي، عندنا آلة إسمها الدولة الحديثة لكن مدورة بي ثقافة شبه الإقطاع. ممكن تكتشف الحاجة دي بي بساطة (في أي مدينة سودانية قارن بين أسماء أصحاب الأعمال وبين شيوخ الطائفيين وأحفاد شيوخ القبائل وأبناء السادة في القبيلة قديماً تلفاها بي تتطابق).
أها المرحلة دي مرحلة إكمال التطور وخلق إقتصاد رأسمالي حقيقي ونفي وعي الإقطاع وسيادة الوعي اللبرالي(الحقوق والحريات).
الطبقة التي ستقود التغيير هى طبقة عندها من الترف ما يتيح لها وقت للإبداع والتنظير لإنتاج طريقة تفكير بديلة، وفي نفس الوقت لها من المصالح والوعي ما يتعارض جذرياً مع طريقة التفكير السائدة، الحاجتين ديل متوفرات في رأيي عند الطبقة البرجوازية.
  في السودان نحتاج الآن إلى إقتصاد رأسمالي حقيقي و (معقلن) يحتوى على ضمانات إجتماعية كبيرة، نحتاج لدولة ديمقراطية علمانية ومجتمع ليبرالي، نحتاج لتعليم حديث مجاني ونظام صحي فعال ومجاني، نحتاج لأسرة تربى أطفالها على الديمقراطية والإبداع. نحتاج لرؤى دينية حديثة تخاطب الإنسان والإنسانية.
نحتاج لشيوع التفكير النقدي وإحترام الخلاقين والمبدعين من أبناء بلادي وتشجيع المبادرين .كل ما ذكر أعلاه المهتم والمهموم به ويصب في مصلحته هو الطبقة البرجوازية (من يمتلكون وسائل إنتاجهم، أو أصحاب الأدوار الذهنية أو الإدارية في العملية الإنتاجية، سكان الحضر،).
من الممكن ويجب على هذه الطبقة ان تتحالف مع الطبقة العاملة والمهمشين والمسحوقين لإنجاز هذه المهام، ولكن يجب ان نعرف ونعلن أن الطبفة العاملة في السودان ضعيفة وفي طور النمو (لم تتشكل تماماً).
في السودان البرجوازية (من يمتلكون وسائل إنتاجهم، أو أصحاب الأدوار الذهنية أو الإدارية في العملية الإنتاجية، سكان الحضر،) مقسمون تقسيماً كبيراً. قسم منهم يتحالف منذ الإستعمار مع الطائفيين والقبليين ويمسك بالسلطة معهم ولازالوا برغم تغير العهود والحكومات.
وأقسام منهم موزعة على القوى الحديثة (والتي ويا للعجب تهاجمهم في برامجها !!) والقسم الأعظم لا يقرب السياسة إلا إذا (هبشت) لقمة عيشه(براغماتيين).
طيب الناس ديل هم أصحاب المصلحة الحقيقية والأعظم في التغيير، فمن الذي يتوجه لهم بخطابه؟ ومن
ينظمهم؟ ومن ينتج لهم خطاب وثقافة التغيير؟

الطبقة البرجوازية هى التي ستنتج طريقة التفكير الجديدة، هى التي ستعمم القيم اللبرالية
هى التي ستقود تحالف الطبقات الذي سيغير المجتمعات السودانية
هى التي ستقود التغيير.
من مصلحة الطبقة البرجوازية على المستوى الإقتصادي إبعاد التحيزات الدينية والقبلية والطائفية عن الإقتصاد ليعود التنافس حراً ويفوز الأكثر إبداعاً في التخطيط والإدارة والإبتكار. ومن مصلحتهم أن يكون هناك عمال (محترفين) ومدربين وغير مربوطين بالتحيزات الدينية والقبلية والطائفية لكي تكون هناك منافسة حرة في بيع قوة عمل العامل. ومن مصلحتهم أن يكون هناك دستور وقوانين تعبر عن هذه المفاهيم وسياسات ولوائح وإجراءات مبنية على حوجات المجتمعات السودانية وليس على حوجة الشريحة الطفيلية من البرجوازية (المستقوية بالدين والعرق والطائفة).
من مصلحة الطبقة البرجوازية تعميم البنيات الأساسية من طرق وجسور وكهرباء وتعليم حديث ونظام صحي ، عندها سيكبر السوق ويدخل فيه فاعلين إقتصاديين ومستهلكين كانوا خارج السوق وتتعدد وتكبر فرص الإستثمار .

هناك شريحة من البرجوازية النهمة والجشعة والتي تستسهل العمل في قطاع الخدمات (رأس المال المالي، راس المال العقاري،..الخ الخ، السمسرة ، تجارة العملة وحتى غسيل الأموال) ، هذه الشريحة ومنذ الإستقلال تتحالف مع بقايا القبليين والطائفيين وتستقوي بالدولة بجماركها وضرائبها وإعفاءاتها على باقي التجار والصناعيين والزراعيين ..الخ. يجب أن تدرك البرجوازية أن مصلحتها تكمن في سوق رأسمالي منظم، وأن الشريحة الشرهة من البرجوازية وبمعاونة بقايا القبليين والطائفيين لن تكتفي بخم البيض ولكنها ستقتل الدجاجة أثناء ذلك.

على مستوى الوعي الطبقة البرجوازية هى منتجة طريقة التفكير النقدية الديمقراطية العلمانية اللبرالية ولذا هى مهتمة ومسئولة عن تغيير طريقة التفكير الدينية الوصائية الأبوية في المجتمع وعن التغيير السياسي لدولة ديمقراطية علمانية.
لإنجاز مشروعها يجب أن تتحالف الطبقة البرجوازية مع الطبقة العاملة ومع (أحفاد العبيد ) ومع المجموعات السودانية المهمشة ومع الجماعات ذات الرؤى الدينية المتسامحة ومع المجموعات المختلفة دينياً لحل مشاكل القهر الإقتصادي والقهر العنصري والقهر الديني ولتكوين دولة الحقوق والحريات.
الفرضيات الأساسية في تحليلي هي: دولة المهدية في السودان تمثل إكتمال دولة شبه الإقطاع في السودان (1) لم تُترك (المنظومة) الإقتصادية الإجتماعية المحلية لتتطور تطوراً طبيعياً وهجم عليها الإستعمار ومثل فطعاً لتاريخنا الإجتماعي الإقتصادي.
(2) هذا القطع كون هجيناً مسخاً بين نظامين في الأصل هما ينفيان احدهما الآخر، شبه الإقطاع والنظام الرأسمالي ، وهذا واقع تركيبي لم يدرسه ماركس.
(3) الإستعمار بالطبع لم يقم بنشر الإستنارة والوعي والديمقراطية وإنما أتي للنهب ولهذا قام بتركيب الدولة السودانية على المنظومة الإجتماعية الإقتصادية القائمة (من شيوخ قبائل وزعماء طائفية وأرابيب).
(4) كمنتج ثانوي لتتنظيم علاقات الإنتاج بشكل رأسمالي وللتعليم الحديث وللحضر الذي أنشأه الإستعمار ولتحرير العبيد تكونت طبقة برجوازية جنينية مدعومة بمجموعة التجار من نظام شبه الإقطاع.
(5) فؤجى الإستعمار بالتطلعات الوطنية العارمة لهذه الطبقة الجنينية والتي ظهرت كأوضح ما يكون في ثورة 1924 وخاب أمله في أن تكون تابعة له عملياً وفي طريقة التفكير، فقام بقمعهم وقهرهم وإستبدالهم بزعماء الطرق الصوفية وزعماء القبائل  (مراكز السلطة في الإقطاع).
(6) لإحساسهم بالضعف وسيطرة الطائفيين وأتباعهم على المجتمعات السودانية تحالفت شريحة مقدرة من البرجوازية معهم.
(7) الصراع منذ ذلك الوقت وحتى الآن هو ملخص للصراع بين البرجوازية في مواجهةالقوى القديمة والشريحة البرجوازية الطفيلية المتحالفة معها، تنغلق الديمقراطية نتيجة للتحيزات الدينية والعرقية والإقتصادية فتقوم البرجوازية من (يسار ويمين) لحلمها بإستخدام سلطة الدولة لتغيير المجتمع (بالإنقلاب على الديمقراطية) ولكنها يتم تغييرها (عن وعي أو عن غير وعي) بواسطة الوعي السائد (فالوعي السائد يعيد إنتاج علاقات السيادة والتبعية مادياً على الأرض) فتزحف زحفاً للتعاون مع الطائفيين والأعيان وشيوخ القبائل (القبيلة هنا وحدة شبه إقطاع). ومن ثم نرجع لنفس المربع برجوازية شرهة متحالفة مع القوى القديمة وبرجوازية ساخطة تريد تشكيل الدولة الحديثة وقوى أخرى مهمشة بشكل أو أخر وتستمر الحلقة الشريرة..

الحل في رأيي يتضمن الآتي:
1- العمل على تثوير وتجاوز المؤسسات القديمة، القبيلة والطائفة الدينية بدعم منتسبيها لقيادة الصراع داخلها، هذا مع تضمين هذه المؤسسات ضمن مؤسسات الدولة، لانها الآن تتحرك في فضاء لا تمتد له يد الدولة، وفي نفس الوقت لها من السلطات ما يقابل سلطات الدولة.
2- تكوين مؤسسات ومراكز دائمة لنشر الوعي الديمقراطي اللبرالي (الحريات والحقوق) تكون مرتبطة بالناس في حلالهم وأحيائهم وفرقانهم (زي تجربة الأندية) والنقابات والإتحادات ومنظمات العمل المدني ولجان الأحياء.
3- التمسك بالديمقراطية مهما حاولت القوى القديمة والقوى المتحالفة معها تشويهها وتجييرها لمصلحتهم.
4- تكوين تحالفات إستراتيجية مع الطبقة العاملة والمهمومين بالتغيير في المجتمعات القبلية والعشائرية ومجموعات المهمشين والمسحوقين تحت قهر القوى القديمة والبرجوازية الشرهة المتحالفة معها.