الاثنين، 5 أكتوبر، 2015

نظارة الوجود السحرية : طريقة التفكير (الأيدولوجيا)



ماذا تعني  لك كلمات مثل:"ود بلد"،"مسلم"،"طبقة"،"عربي"،"ود غرب غرابي"،"الله"، "الزعيم"، "رطانة"،"لونا سمح" ...الخ ؟.
ببساطة هذه الكلمات غير إنها رموز لغوية مكتوبة أو منطوقة فهي أيضاً وحسب فهمك لها تشف عن جانب من طريقة تفكيرك (الأيدولوجيا). إنها ليست فقط رموز لغوية ولكنها أيضاً رموز أيدويولوجية. فما هى الأيدولوجيا ؟
يمكن تعريف الأيدولوجيا (طريقة التفكير) بإنها ترميز الوجود في الذهن وربط هذه الرموز بعلاقات إدراكية ومن ثم إلباس هذه الصورة الذهنية للوجود، في عملية متبادلة ومتصاعدة، ودايناميكية. نفعل هذا ليسهل لنا  إستيعاب الوجود ومن ثم إما تقبله كماهو أو التأثير فيه ليستمر كماهو أو لتغييره.
عندما نقول شجرة فإننا نرمز لمجموعة كبيرة من الموجودات وبكلمة واحدة نجعل لها رمزاً يدل عليها، والرمز لكي يكون شاملاً يدل على كل الشجر لابد من أن يقوم العقل بتجريد كل شجرة من إختلافها وتميزها وتركيبها مع غيرها من الأشجار بما يتشابهن فيه، وهكذا تعمل الأيدولوجيا (طريقة التفكير): تقوم بتقسيم الموجودات لمجموعات بناء على تجريدها من سمات التميز والإختلاف وتركيبها مع غيرها بناءاً على السمات المتشابهه. وتعمل هذه الطريقة بإفتراض قبلي بأن هناك سمات جوهرية تدخل في التركيب وسمات ثانوية تدخل في التميز والإختلاف ويجب إسقاطها لكي نستطيع الترميز. وبذا من الممكن عن ثقة أن نقول أن المسافة بين الشجرة الرمز في الوعي وبين شجرة الواقع، مليئة بالسمات التي تم إسقاطها وإهمالها، وأن شجرة الواقع غنية بالتفاصيل التى لا تستطيع شجرة الرمز في الوعي أن تعطينا أي معرفة عنها. بالرغم من هذا، لولا قدرة البشر على الترميز لما إستطاعوا التصنيف، ولما إستطاعوا التعرف على أولاً مجموعة الشجر، ومن ثم شجر المانجو، وحتى شجرة المانجو هذه. هذه القدرة على التجريد والتركيب ومن ثم الترميز مكنتنا بأن نتعامل لا مع الشجر في وجوده الحقيقي فقط، ولكن مع رموز الشجر في وعينا وربطها مع بعضها البعض ومع باقي الموجودات في (علاقات وعي) قد نشابه إلى حد كبير أو إلى حدما علاقات الشجر مع بعضها البعض ومع باقي الموجودات كما هى في الطبيعة، أو قد لا تشابهها.
الفرق بين الترميز الآيدولوجي والترميز في مثال الشجرة مثلاً، أن الترميز الأيدولوجي يشمل ترميزمستويات متراكبة للوجود المادي، الطبيعة  وعلاقة موجوداتها وعلاقة البشر بها، وعلاقة البشر ببعضهم البعض وعلاقات المجتمعات البشرية ببعضها البعض وعلاقة البشر بالكون،ومن الترميز المتراكب لموجودات الوعي التي لا مقابل مادي لها في الطبيعة، ويشمل كذلك تفسير العلاقات ما بين  الرموز وتفاعلها. إن ما يميز الأيدولوجيا بترميزها للموجودات المادية وموجودات الوعي والعلاقات بينها إنها تحمل في داخلها موقفاً تجاه هذه الصورة الرمزية للكون، إما بإعتمادها وإستخدامها للتأثير في الكون، وإما بالإستسلام لقهرها، وإما بمحاولة تغييرها بنموذج علاقات مختلف ما بين رموزها.
وبذا فإننا عندما نرى الوجود فإننا لا نرى الوجود كماهو، ولكننا نراه مشتبكاً مع صورتنا الذهنية عنه، صورتنا المنسوجة برموزها للموجودات المادية ولموجودات الوعي. بإختصار فإننا نرى الوجود من خلال الأيدولوجيا (طريقة التقكير).
الأيدولوجيات السائدة(طرق التفكير السائدة) تتبناها المجتمعات بعد أن تنتجها وتفرضها مراكز السلطة، ويعاد إنتاجها جيلاً فجيل عن طريق مؤسسة الأسرة والمجتمع ومؤسسات التعليم، والمؤسسات المساعدة كالإعلام والقانون .وكذلك يتم إنتاج أيدولوجيات مسودة مناهضة للأيدولوجيات السائدة من قبل المهمشين في النظام الإقتصادي الإجتماعي. والأيدولوجيات السائدة والمسودة في حالة صراع جدلي يمد النظام الإجتماعي الإقتصادي بالحركة والحياة ما دامت الأيدولوجيات السائدة قادرة على أن تجيب وأن تغبش وأن تحرف أسئلة الأيدولوجيات المسودة. عندما يعجز النظام الإقتصادي الإجتماعي عن تلبية الحوجات المادية والروحية لأعضائه ،وتفشل الأيدولوجيا السائدة عن تبرير هذا العجز، عندها تتقدم الأيدولوجيات المسودة بإجاباتها ، وإن نجحت في تقديم إجابات أشمل وأوسع من إجابات الأيدولوجيا السائدة فعندها تتقدم رغم عنف مراكز السلطة القائمة، لتبني مؤسساتها الجديدة أو تغير المرسسات القائمة ولتزيح مراكز السلطة القائمة لمصلحة مراكز السلطة الجديدة، وعندها تصبح الأيدولوجيا المسودة أيدولوجيا سائدة.
هناك أيدولوجيات فردية، وهناك أيدولوجيات إجتماعية هى محصلة جدل وتجريد وتركيب الأيدولوجيات الفردية. ولكل فرد أيدولوجيا حتى وإن لم يعي ذلك، فبدون الأيدولوجيا لن تعي عالمك ومحيطك، لن تستطيع أن تتعامل مع عالمك ومحيطك، لن تكون إنساناً.
قد تكون أيدولوجيا فرد أو مجتمع ما موروثة مما تراكم في الوعي الإنساني من واقع الخبرات التاريخية المحلية والعالمية، أو قد تكون أيدولوجيا تم إنتاجها بدراسة واعية لعلاقات الوجود أو لعلاقات الوعي أو لكليهما.
تختلف الرموز ما بين أيدولوجيات نابعة من رؤى ترى أن الموجودات كماهى في الطبيعة وفي المجتمع وعلاقاتها هى الجذر الذي أوجد الوعي وموجودات الوعي، وما بين أيدولوجيات نابعة من رؤى ترى أن الوعي الخالص هو الذي أوجد كل الموجودات بما فيها الموجودات المادية، وفي المسافة بينهما أيدولوجيات وأيدولوجيات.وبصراحة وأنا بصدد توظيف الكتابة للتغيير في السودان،  فهذه الفروقات لا تهمني  إلا بشكل معرفي شخصي. ما يهمني في الحقيقة هو كل الأيدولوجيات، بغض النظر عن ترميزها للوجود، التي تستطيع أن تتمثل في رموزها السودان كوطن يتساوى مواطنيه في الإنسانية وفي الحقوق والواجبات وفي الحق في الكرامة والعدالة  والحرية غض النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم ونوعهم.
إن أيدولوجيا ماركسية ترى المجتمعت السودانية كمجتمعات ذات إقتصاد رأسمالي وطبقات برجوازية وعمالية متصارعة لتثبيت أو تغيير علاقات توزيع السلطة والثروة ، إن أيدولوجيا كهذه لا ترى السودان كما هوفي تنوعه وتعقده في الحقيقة وإنما كماهو في الصورة الذهنية الكامنة في الأيدولوجيا. عندما تصطدم هذه الصورة الذهنية مع واقع أن المجتمعات السودانية في حقيقتها مجتمعات ذات إقتصاد مشوه  تتراكب فيه العلاقات الرأسمالية مع العلاقات التقليدية ما قبل الرأسمالية والمؤسسات الحديثة مع مؤسسات إقطاعية مثل القبيلة والطائفة، وتلعب فيه البرجوازية العليا دور النبلاء والعمد والمشايخ المنتمين للأسر الشريفة، ليس لدي هذه الأيدولوجيا ما تقدمه لمهمشي المؤسسات الإقطاعية وليس بقدرة العمال كطبقة لم تتبلور بعد أن تتحمل وتنهض بمهام التغيير، عندها ليس أمام الأيدولوجيا من طريق لبدء التغيير من القاع بالجدل مع الأيدولوجيا السائدة وإظهار عجزها وإقناع الجماهير بالأيدولوجيا البديلةـ ولذا تلجأ للبديل الأسهل وهو إستلام السلطة بالعنف، وقسر المجتمعات على إلغاء مؤسساتها القائمة كالقبيلة والطائفة بالعنف لتتطابق مع النموذج الماركسي، وتقديم حل سحري شامل إسمه "التنمية" لتغيير المجتمعات، لتغيير العلاقات الإقتصادية الإجتماعية لعلاقات رأسمالية ومن ثم وبالقسر سيكون هناك إقتصاد رأسمالي وطبقتي برجوازية وعمال متصارعتين ومن ثم تتحقق الإشتراكية.
الأيدولوجيا الإسلامية بالمقابل ، والتي ترى الصراع كصراع بين الإسلام والكفر، بين الخير والشر، والمجتمعات السودانية كمجتمعات مسلمة أو يجب أن تسلم، وحل مشاكلها يكمن في الرجوع لقيم ونظم وشرائع الإسلام، إنها تحاول أن تقسر السودان المعقد في تنوعه على أن يتطابق مع صورة ذهنية أيدولوجية ، وعندما تصطدم بالآخر السوداني غير المسلم بل وبالآخر السوداني المسلم ذو الرؤية الدينية المختلفة، عندما تصطدم هذه الصورة مع واقع أن المقولات والمفاهيم الإسلامية التي أنتجت في الماضي ولشعوب مختلفة لا ترى السودان كماهو ولكن كما هو في الصورة الذهنية الكامنة في الأيدولوجيا. ليس لدي هذه الأيدولوجيا من طريقة لبدء التغيير من القاع بالجدل مع الأيدولوجيا السائدة وإظهار عجزها وإقناع الجماهير بالأيدولوجيا البديلةـ ولذا تلجأ للبديل الأسهل وهو إستلام السلطة بالعنف، وقسر المجتمعات على إلغاء مؤسساتها القائمة بالعنف لتتطابق مع النموذج الإسلامي، وتقديم حل سحري شامل إسمه "الأسلمة" لتغيير المجتمعات، لتغيير العلاقات الإقتصادية الإجتماعية لعلاقات دينية ومن ثم وبالقسر سيكون هناك صراع بين الإسلام وبين الكفر، ومن ثم ينتصر الإسلام وتقوم دولة الخلافة الإسلامية.
وهناك من ينادون بأن الحل السحري هو الديمقراطية، ويعنون الإنتخابات والبرلمان والحكومة الدورية المنتخبة والقضاء المستقل. إنها أيدولوجيا تتجاهل أن الديمقراطية تفترض مواطنين متساوين في الحريات والحقوق، تتجاهل التحيزات الموجودة في الواقع، تتجاهل أن أهل الطائفة والقبيلة لا يرون الدولة بل يرون النبلاء الذين يقودونهم على قمة القبيلة والطائفة، ولذا لا يتحركون بخياراتهم الذاتية وإنما بإشارة هؤلاء النبلاء، وبذا تستدام السيطرة البرجوطائفوقبلية، وتحول الديمقراطية الشكلية الدولة الحديثة لأداة في يد الإقطاع.
إفتراضي هنا إن الأيدولوجيات لو إشتبكت مع الواقع الحقيقي لتقاربت فيها معاني الرموز وإن إختلفت عائلة الرموز المستخدمة، فنجد أن المستَغَلْ مقابل المٌستَغِل عند الماركسيين سوف يكاد يتطابق مع الخَير مقابل الشر عند الإسلاميين، ومع نصير الحقوق والحريات مقابل المستبد عند اللبراليين ... الخ ..الخ. إفتراضي الثاني أنه ولكي يحدث التغيير لابد أن يحدث تجاوز جدلي في كل الأيدولوجيات المسودة، بحيث تنتقل من محاولة فرض صور ذهنية معدة مسبقاً لالباسها للواقع إلى نقاش الواقع وتمثل مشكلاته كماهي لحلها.
لا يهمني أيدولوجيتك (طريقة تفكيرك)، ما يهمني هو ماذا تريك أيدولوجيتك، هذا القناع المنسوج من الرموز. هل ترى مشاكل السودان كماهى في الواقع: سيطرة الأبوية وإنعدام الحريات، التراتب العرقي العنصري، سيطرة الذكورية وقهر المرأة والأطفال، نهب الشرائح الطفيلية البرجوطائفوقبلية للمجتمعات عن طريق أدوات الدولة وتجويع المواطن السوداني، تراكب المؤسسات الحديثة والمؤسسات القديمة في بنية مشوهة. هل ترى حوجتنا لدولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والحريات غض النظر عن عرقهم، غض النظر عن دينهم غض النظر عن نوعهم؟. أم هل إنك مسجون في الأيدولوجيا، في صورة ذهنية بها صراعات نبيلة، وغايات عليا سامية، ولكنها للأسف لا تمت لواقع المجتمعات السودانية، لواقع الإنسان السوداني بصلة، إنها صراعات وغايات موجودة في ذهنك فقط، وحتماً ستفشل وإن أقنعت الجميع بها، حتماً ستفشل في إلباسها للواقع السوداني الحي والمعقد.

هناك 5 تعليقات:

  1. محمد الماحي9 أبريل، 2016 10:30 ص

    اذا كان كل فرد هو نتاج وحصيلة المحددات الاجتماعية الشكلتو وصنفتو ووزعتو لي طبقة وايديولوجيا معينة ، كيف يمكن بناء مشروع سياسي سادة بدون أيديولوجيا يستند عليها ؟...كيف يمكن خوض صراع إيديولوجي بدون ادوات ايديولوجية...بمعني هل يمكن الاشتباك مع الواقع المعين بدون تجريد او بناء نظري ؟...تحياتي

    ردحذف
  2. أنا بقول إنو اساساً مافي زول بدون أيدولوجيا، حتى الما بعرفوا كلمة أيديولوجيا، بالنسبة لي الأيدولوجيا يا إما تتشربه من المجتمع ودي الايدويولوجيا السائدة، أو تبنيها بطريقة واعية. بتفق معاك لا يمكن خوض صراع من دون ايديولوجيا، ولا يمكن الحياة من دون ايديولوجيا، والأيديولوجيا كلما إشتبكت مع الواقع كانت تجريداً اقرب له

    ردحذف
    الردود
    1. تحياتي القلبية يا محمد الماحي

      حذف
  3. محمد الماحي2 يوليو، 2016 6:44 م

    كلام جميل ...بالنسبة لي تحديد نمط الانتاج وعلاقاته الفي السودان ، اذا قلنا انو خليط بين رأسمالي واقطاعي تقليدي بس من وجهة نظري بندخل في طشة نظرية .العلاقة البنيوية بين النمطين علاقة هيمنة واحد (الرأسمالي ) علي التاني اللي تم دمجو ولا علي كيفو في السوق الرأسمالي ...دا تعليق علي حتة علاقات انتاج ماقبل رأسمالية وانو نحنا لسة ماحصلنا المرحلة الرأسمالية. .انا من انصار انو سبب مشاكلنا كلها جات مع الاستعمار وحلها مستحيل بدون كسر علاقة التبعية البنيوية بين المركز الرأسمالي والبني الكولونيالية ، يعني البرجوازية الكولونيالية ماممكن تتحول لي طبقة ثورية لانها اتولدت كسيحة وتابعة .وفوق دا كلو نحنا محكومين بالتقسيم الدولي للعمل اللي بساهم في اعادة انتاج التخلف ..الكلام مامرتب وهو تعليق علي الافكار الفي المدونة الممتازة دي بصورة عامة.

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً على التعليق يا محمدالماحي، كلام مهم وفي العضم وعشان ياخد حقو في النقاش حولتو لي بوست في الفيسبوك.

      حذف