الجمعة، 18 أغسطس، 2017

الانسان البسيط المركب

بالنسبة لي هناك الفكري والعلمي وهناك السياسي وهناك الثقافي وهناك الاحاسيس وهناك ردات الفعل الانعكاسية من التحت الاحاسيس، كلها متداخلة ومتفاعلة وتحقق الانا. اذا كنت كائنا فكريا علميا فقط ساكون باردا ولا انساني، اذا كنت سياسيا فقط  ساتحول لانتهازي يصل لأهدافه حتى لو بالتضحية بقيمه، اذا كنت احتفي بالثقافة فقط فقدت عندي معناها الشامل، وان كنت اتعامل بالاحاسيس والمشاعر فقط تحولت لاهوج متناقض التصرفات ويميل لاطلاق الأحكام.
على مستوى الفكر والعلم يمكن ان اناقش حجج اي شخص حتى عدوي فهذا مستوى بارد لا قيمة فيه لأي انفعال.
على مستوى السياسة يمكن ان اتنازل فيما هو تكتيكي وغير أساسي لأصل لماهو استراتيجي واساسي ولا يتنازل عنه.
على مستوى الثقافي والإبداع فالذائقة الشخصية لها الحكم الأول لذا فلا حكم وتجريم للاخر.
على مستوى الاحساسيس والشعور اقول كما قالت اليمامة لمن جاء يصالحها بعد ان قتل اباها كليب  وسألها ما شرطك للصلح؟ فقالت:

أبي .. لا مزيد!

أريد أبي عند بوابة القصر,

فوق حصان الحقيقة,

منتصبا .. من جديد

ولا اطلب المستحيل, ولكنه العدل

الجمعة، 30 يونيو، 2017

الحرية ووهم الحرية

الحرية أم القيم والحقوق، تتضمن داخلها كل القيم الأخرى، فمثلاً لو تكلمنا عن الحقوق الإقتصادية والعدالة الإجتماعية، فالفقير ليس حراً فهو مكبل بقيود الفقر، والمضهد إجتماعياً ليس حرأ فهو محروم من الفرص.
لا يوجد إنسان خارج النظام الإجتماعي الإقتصادي خارج المؤسسات، ولا توجد حرية خارج المؤسسات والنظام مع معرفتنا بان كل المؤسسات والنظم تقيد الحريات، ولذا فالحريات نسبية ومتحركة نحو المطلق وصراع الحرية داخل المؤسسات والنظم لا ينتهي للأبد.
بالرغم من ذلك، اذا أعتقد الإنسان الثائر بأنه بانطلاقه كذئب البراري وحيدا والعواء في وجه كل ما يعتبره قيد هو غاية حرياته فهو مخطئ تماما لأنه بالضبط يتحرك في فضاء سجن المؤسسات القاهرة القمعية في سجن النظام الاقتصادي الاجتماعي ولا يمارس ما يعتبره حريات الا اختلاسا وستنتهي هذه الحالة اما بعيشه وهم الحرية حتى الممات او قمعه وانسجامه مع القطيع.
الحرية سعتها بقدر وسع المؤسسات والنظام الإجتماعي الإقتصادي لها، فإن ضاقت وضاق عنها فلابد من تغيير المؤسسات والنظام، تغيير ثقافتها وعلاقاتها الداخلية وعلاقاتها مع بعضها حتى تتسع للحرية.
لكي تحقق قيم الحقوق والحريات اختراقها لابد من ان تقوم بها مؤسسات تتجاوز قدراتها الفرد وتقوم بإعادة إنتاج نفسها ورؤاها حتى وان مات مؤسسها او تخلى عن حرياته وحقوقه. التمرد والثورة هو ان تغير المؤسسات القائمة وتنشئ مؤسسات جديدة تحتوى على اكبر قدر من الحريات والحقوق.
الحرية نفهمها وحدنا ونمارسها وحدنا ولكن لتتحقق في النظام الاجتماعي الاقتصادي لابد ان نتشابك مع الجميع وتشابكنا هو المؤسسة.

الخميس، 29 يونيو، 2017

المثقف الثوري ورؤية التغيير

ايها المثقف: رؤية واهداف التغيير لن ينتجها العمال والمهمشون، بل تخلقها انت وتقنع بها الجماهير ليحققوها معك في الواقع.
الالتصاق بالجماهير ومنهم واليهم ونتعلم منهم ما معناها انو المهمشين حا ينتجوا رؤية وأهداف  وحلول لمشاكل النظام الاجتماعي الاقتصادي، ما لأنهم اغبياء وجهلة السبب لأنهم مطحونين تحت عجلة الحياة اليومية والقهر والقمع وما عندهم ترف وقت فائض للتنظير والتفكير ولا عندهم موارد لنشر ولتحقيق افكارهم، عشان كده الالتصاق بهم بعني توسيع دائرة الشوف عند المثقف البرجوازي وان يقوم قدر الإمكان بدراسة واقع المهمشين وحاجاتهم الآنية وجذور هذه الحاجات حتى يقوم بقيادة المهمشين و يغير النظام ليكون أكثر عدالة.
 هناك من البرجوازيين من يقدمون الطعام للفقراء وهذا حل اني ولكنه غير ثوري، المثقف البرجوازي الثوري يدرس أسباب الفقر ويغير النظام لحل المشكلة في نفس الوقت الذي يتبرع بالطعام، وبهذا فهو لا ينظر للمشكلة من موقعه  كبرجوازي ولكن رؤيته تشمل النظام ككل.
  إنتاج الرؤية والحلول والقيادة هذه ادوارممكنة للمثقف الثوري بما يملكه من ترف الإنفصال عن رهق وعنت الحوجات اليومية وبما يملكه من وقت للتفكير والتنظير، وهذا غير متاح للمهمش في المجمل .
 معظم البرجوازيين المشتغلين بالهم العام بي يشوفوا مشاكل المهمشين من موقعهم ولا يبذلون جهدا لدراسة واقع المهمشين وجذور احتياجاتهم الفعلية، هنالك ايضاً من يهاجمون المساعدات  التي تخفف من المشاكل انيا ولا تحلها من الجذور، في اعتقادهم ان استحكام الازمات بي يخلي المهمشين يثوروا، استحكام الازمات فقط يزيد من عدد المهمشين والمطحونين ويبعد مجموعات اكثر عن دائرة التنظير والفعل ويقود لمزيد من الفشل، لذلك المطلوب المساعدة والتعاطف الاني وفي نفس الوقت العمل على حل جذور مشاكل النظام الاقتصادي الاجتماعي.
  المهمشين مطحونين في اليومي ولا يملكون ترف التحليل والتركيب وإنتاج الرؤى والموارد اللازمة لإنجاز هذه الرؤية والتفرغ لقيادة الجماهير لانجازها. بالطبع الدور تكاملي، بدراسة الواقع كاملا وتحديدا الواقع الاجتماعي للمهمشين ينجز المثقف الثوري رؤيته وعندما يمتلكها المهمشون يدعمونها ويحققونها مع البرجوازي المثقف الثوري في الواقع.

الخميس، 25 مايو، 2017

جماعات التكفير والهجرة اليسارية

                  التغيير في تجسده المادي هو تغيير أهداف وهيكل المؤسسات وطريقة التفكير السائدة فيها ، تغيير علاقاتها مع بعضها البعض بحيث تتغيراهداف وهيكل وطريقة التفكير في النظام ككل وتغيير طريقة حركته لتحقيق هذه الأهداف. 

السؤال هنا هو: كيف نغير مؤسسات النظام الإقتصادي الإجتماعي؟

 والإجابة هى بالإشتباك المباشر معها والضغط عليها بتوجيه اسئلة الحقوق والحريات يومياً للمؤسسات المختلفة. ولكي يكون التغيير شاملاً لابد من أن تكون المسآئلة شاملة لكل المؤسسات من كل حسب موقعه وحسب إهتمامامته وقدراته.

الندوات السياسية، المظاهرات، الكتابة على الحوائط، البيانات، الكتابة على الوسائط، المخاطبات في الشوارع لها دور في إيضاح طغيان وقهر السلطة وتبيان ملامح البديل  وزحزحة طريقة التفكير السائدة عن موقعها. لكن إن لم يكن هناك جدل واشتباك يومي مع المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية يحاول أن يوظف هذه الخطابات لحركة فعلية في الواقع ويستفيد من تراجعات السلطة عن أي مساحة ليحتلها العمل المدني الدؤوب والمنظم الساعي للتغيير، إن لم يكن هناك إنتصارات يومية صغيرة في مؤسسة الأسرة، اللجنة الشعبية، القبيلة، الطريقة الصوفية، الحزب، المنظمة، مؤسسات القطاع الخاص ، مؤسسات الثقافة والتعليم والقانون والقضاء والجيش والشرطة والأمن، إن لم تكن هناك إنتصارات صغيرة في التعامل والإشتباك مع هذه المؤسسات تقود لتغيير هذه المؤسسات شيئاً فشيئاً وتحول دور مراكز السلطة في المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية من المهيمن للمدافع والمبرر والمتراجع عن سياساته، إن لم يكن هذا ستكون مساحة الهتاف والكلام والكتابة أداة للنظام لإظهار تسامحه وإخفاء نهبه وقمعه المادي الحقيقي، وستتحول لطقس تطهري للناشطين في التغيير يعمدهم كمناضلين في مساحة لا تفيد إلا في تنفيس القهر والكبت ولكنها لا تغير شيئاً.

قال حسن موسى في في تناوله لقضية محمد صالح الدسوقي:
(أما وجه "الحماقة" [ و عفوكم حتى أجد عبارة أفضل من " الحماقة" ]، فهو في كون الدسوقي ، في سورة حماسه البطولي: غفل عن كون مخاطبته لسلطات المحكمة الشرعية تتضمن إعترافا يزكي إنتحالهم الجائر لسلطات خولتها لهم قوى سياسية [ وطنية و دولية] لا تتمتع بأي سند سياسي أو حقوقي أو أخلاقي بخلاف سند القوة الغاشمة.)مقال حسن موسى

عندما أمر بمثل هذه الآراء تمر بخاطري افكار سيد قطب في إعتزال المجتمع الجاهلي وتطبيق جماعات التكفير والهجرة لهذه الأفكار ببناء المجتمع المؤمن المعزول والهجوم وتحطيم أسس مجتمعات الكفر والطاغوت، الفرق ان جماعات التكفير والهجرة هذه المرة هى الأحزاب والجماعات اليسارية في اعتزالها ما يسمى بالعمل القانوني في مسائلة ومفاوضة ومساومة مؤسسات الدولة.
إن شعار إعتزال السلطة الجائرة هو شعار مضحك للغاية، فبما أنها سلطة وتتحكم في كل مؤسسات النظام الإقتصادي الإجتماعي فأنت لست فقط مضطراً للتعامل معها بسلطة الواقع، ولكنها ايضاً تهجم عليك في اعتزالك وتشكله لك على مقاسها  وترغمك يومياً على تلقي ضرباتها والإنعزال اكثر، بل وحتى إن كنت مهاجراً وتأتي فقط لزيارة اهلك بين الفينة والفينة فأنت مضطر لتقديم جوازك (الأجنبي) لسلطة الواقع لتختمه لك وتضطرك للتسجيل كأجنبي وتدفع غرامة إن لم تسجل.

إذا كنت مضطراً للإعتراف بهذه السلطة من موقف المذعن للقمع والنهب والقهر، فكيف تستنكر مسآئلة مؤسسات هذه السلطة عن حقوقك من موقع القوي المهاجم؟!!

نعم إن الإشتباك مع المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية المختلفة بمطالبتها بالحقوق والحريات والدخول في انتخاباتها وبمطالبتها بتحسين سياساتها واجرآاتها وبمطالبتها بتطبيق القوانين والعدالة من مستوى الحلة والفريق لأعلى مستوى هو تفاوض ومساومات مستمرة، تفاوض بالجسد وتفاوض بالرؤى والحجج، إنها اقرب لرقصة فروسية بين خصمين يقفان متواجهين ملتحمين متدافعين، كلما تراجع احدهما خطوة وضع الآخر قدمه مكانها، والفرق بين المساومة والإنتهازية هو الإتجاه الذي يقفه ناشط ومؤسسة التغيير في مواجهة أم مع السلطة في هذه الرقصة.
الشعارات الكبيرة، الشعارات البراقه الجاذبة مثل العصيان المدني الشامل، الثورة الشاملة لاتنفجرمن احلام الثوريين ونشطاء التغيير ومؤسساتهم ، وإنما تنبت وتتبرعم في الحواري والأحياء والأسواق وسط الناس ومكابدتهم لحقوقهم البسيطة، في مسائلة اللجنة الشعبية عن النظافة وتصريف مياه الأمطار، مسائلة النظام الصحي عن العلاج، مسائلة القانون عن جلد البنات ومطاردة ستات الشاي، مسائلة ذوي الرؤى المختلفة وذوي الدين المختلف للمؤسسات عن حرية العقيدة، مسائلة المؤسسات عن تشغيل العاطلين،  سؤال كل فرد عن حقه في الحياة اولا ومعها حقه في الماء والطعام والعلاج والعمل والسكن والحرية. 
حينما يشتبك ناشطي التغيير ومؤسساتهم مع المؤسسات الإجتماعية الإقتصادية من اصغر المؤسسات في الحلة والفريق لأكبرها  على مستوى الدولة في هذه المسائلة والمفاوضة والمساومة اليومية والمستمرة، في هذه الرقصة الملحمية التي قد تتراجع فيها الخطوات وتلتف ولكنها لا تغير وجهتها النهائية، حينها ستبدأ شروط التغيير الشامل في التراكم والتحقق.

الاثنين، 1 مايو، 2017

مجتزأ دراسة الواقع السوداني

من يطلق عليهم الهامش في الادبيات الحديثة في السودان هم اعضاء في مؤسسات ما قبل رأسمالية ويتحركون باوامر البرجوأقطاعيين في الهامش لنيل نصيبهم من الكعكة ضد برجواقطاعيي المركز، وهم ليسوا داخلين في تصنيفات نمط الانتاج الراسمالي  والذي على اساسه تم تقسيم القوى الفاعلة والتي تسعى لتحقيق برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية من قبل الحزب الشيوعي السوداني (ببساطة لان نمط الإنتاج في السودان  ليس رأسمالي وانما نمط انتاج برجواقطاعي هجين قسره الاستعمار وحافظت عليه الحكومات الوطنية)، وانما يدخلون (كما بينت في كتابات سابقة) في نمط انتاج ما بعد الإستعمار وهو نمط انتاج قسره الإستعمار يحافظ على علاقات الإنتاج الإقطاعي القديم والمؤسسات القديمة وتركب على قمتها المؤسسات الحديثة بما فيها جهاز الدولة كأدوات سيطرة ونهب. 
في المؤسسات القديمة يوجد رعاة ومزارعين واصحاب حرف ولكنهم ليسوا حتى احرار (شكلياً) لبيع قوة عملهم كما في المؤسسات الراسمالية حتى نسميهم عمال ومزارعين، ولكنهم مجبورون لبيع قوة عملهم لأسر سادة المؤسسات القديمة (العشيرة والقبيلة والطائفة والطريقة الصوفية) والنظام الإجتماعي الإقتصادي يكبل حركتهم في الإنتقال الحر من مؤسسة لمؤسسة ومن عمل لعمل، ولهذا هم اقنان كما في النظام الاقطاعي. هذا التأثير يمتد بفعل التهجين الذي قسره الإستعمار واستمر بفعل الحكومات الوطنية حتى للمؤسسات الحديثة ومؤسسات الدولة فهى تدار بنفس عقلية وعلاقات انتاج القبيلة والطائفة والطريقة الصوفية.
 ما اقوله أن نمط الإنتاج السائد هو نمط هجين مصنوع اسميته نمط انتاج ما بعد الإستعمار او نمط الانتاج البرجو اقطاعي، ولتغيير هذا النمط لابد من اعادة هيكلة كل المؤسسات القديمة والحديثة في الدولة لتحقيق الحريات والتي ستسمح بحرية حركة العامل والمزارع والراعي والحرفي وبموازاة حرية العمل لابد من تحقيق الحريات الفردية والقضاء على التراتب العنصري القداسي الديني والابوي الذي يحدد نصيب الفرد والجماعة في علاقات انتاج نمط ما بعد الاستعمارفي السودان. الطبقة العاملة في هذا النمط هى واحدة من الطبقات المهمشة ولكنها ليست الطبقة القائدة للتغيير في زعمي، لانها ضعيفة العدد ومخترقة بالانتماءات القبلية والطائفية، وفي زعمي أن التغيير لدولة برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية ستقوده الطبقة البرجوازية.

الاثنين، 27 مارس، 2017

ماذا عن حق تقرير المصير؟

  حق تقرير المصير مكفول لكل قومية .. ولكن

بالنسبة لي المشكلة في الدولة السودانية مشكلة عامة ولا تخص مجموعة بعينها، وان كانت هناك مجموعات واقع عليها اصر التهميش والإضطهاد والحرب. 
ما اقوله ان  التجربة اثبتت أن الإنفصال ليس حلاً ولكنه إستمرار لنفس المشكلة وربما بسيناريو اسوأ في الدولة الجديدة، مالم يتم معالجة المشكلة الأم.
الحل ليس في قرار البقاء مع الوطن الأم او الإنفصال وتكوين دولة جديدة. يظن البعض أنه وبالإنفصال  يتم التخلص من النخب المسيطرة في المركز بضربة واحدة وتتكون دولة جديدة متجانسة ليس فيها تراتب عرقي ولا هيمنة دينية ولا قهر اقتصادي  وتتحقق  في الدولة الجديدة بين يوم وليلة دولة المواطنة والعدالة والمساواة. بالطبع هذه تخيلات واوهام واستسهال للمشكلة وصياغة حل خاطئ كلياً، فمشكلتنا ليست مشكلة قوميات، إنها مشكلة شعب واحد له جذور ممتدة عميقاً في الجغرافيا والتاريخ ولكنه ليس موحداَ حسب الإنتماء للوطن الجغرافيا والتاريخ، بل يقسم من قبل مراكز السلطة لأعراق مضهدة واعراق نبيلة بناءاً على الدين والعرق والثقافة والمكانة الإقتصادية.

بوجود طريقة التفكير الموروثة وهيكل نظام الدولة الموروث، ستتكون فوراً نخبة في البلد الجديد وبنفس طريقة تفكير نخب المركز وتعمل من خلال نفس التركيبة والمؤسسات والهياكل، وسينقسم البلد الجديد لمركز تسيطر عليه نخب جديدة تنتمي للبرجوازية وابناء زعماء القبائل ورؤساء المؤسسات الدينية وهامش جديد مضطهد ومن ثم تدور الحرب من جديد ويستمر التشظي الى مالانهاية.
، المشكلة هى في التراتب المبني على الدين والثقافة والعرق والمال والأصل النبيل، وتداخل المؤسسات التقليدية مع المؤسسات الحديثة مما ادى لتشوه نظام الدولة ككل، المشكلة هى تحالف البرجوازية مع اسر زعماء القبائل والشيوخ والعمد والشراتي والمقاديم والنظار لنهب وقمع الشعب. في حالة الإنفصال سيتم فقط أستبدال الدين بدين آخر مسيحي او ارواحي، ويستبدل شيخ الطريقة والفقيه بالقس والكجور، وتظل التركيبة والمؤسسات وسوء الحال والمآل كماهو إن لم يكن اسوأ.
الحل في دولة حديثة، دولة الديمقراطية العلمانية، دولة الحقوق والحريات، دولة العدالة الإجتماعية الإقتصادية، دولة المؤسسات التي تعبر عن كل فرد ينتسب لها وتدار بديمقراطية، دولة المواطنة التي يجد فيها كل مواطن سوداني نفسه.

الأربعاء، 15 مارس، 2017

القمرية


قمرية على الشباك
ابتلت ملاءات شموس وباسل بالقوقاي
ولكنهما نائمان في البعيد يحلمان بالنوارس 


قمرية يؤانسها ازدحام المحبة
ايقظها الفجر بوعود خضراء
على فرع النيم تهتز بالقوقاي
تنادي وليفها ليبدآن القطاف
وقع صوتها في خلاء المكان
دمعة حارة
وقلب اسيف
وشوق يموء في الشقة الفارغة

الثلاثاء، 7 مارس، 2017

مؤسسة الأسرة

الثورى يزرع الحريات والحقوق في المؤسسات القائمة قدر طاقتها ، بدءاً بمؤسسة الأسرة مروراً بالمؤسسات المدنية والدينية والمؤسسات الخاصة والعامة، فإن وصلت المؤسسات لحدود وسعها وعجزت عن استيعاب الحريات والحقوق ينشئ الثوريون مؤسسات جديدة. 
في مؤسسة الأسرة علاقات الزوج- الزوجة، الأب- الإبنة، الأخ- الأخت، يعيد المجتمع إنتاجها كعلاقات هيمنة وسائد ومسود ويسندها بمقولات من الرؤى الدينية السائدة والحكم والأمثال والقصص والحكايات والعادات والتقاليد المتوارثة. مؤسسة الأسرة هى الوحدة الأساسية في بناء النظام الإجتماعي الإقتصادي ككل، وواحدة من اهم وظائفها تجهيز الفرد للعب دوره في باقي مؤسسات المجتمع الحكومية والخاصة، المدنية والدينية. في الأسرة يتم تجهيزك لتعرف ماهو موقعك المتوقع في النظام الإجتماعي، لمن تخضع ومن سيخضع لك، ماهو افق طموحك، كيف ستتعامل معك السلطات المختلفة، ماهو الصائب المتوقع وماهو الخطأ، وماهي حدود العقاب إن خالفت السلطات، مثال: الأسرة التي تعاقب أبناءها بالضرب سيقبل أبناءها هذا النوع من العقاب من كل سلطات مؤسسات المجتمع.

مؤسسة الأسرة متشابكة مع باقي مؤسسات المجتمع وتؤدي دورها في تناغم معها، والتغيير في مؤسسة الأسرة يتطلب التغيير في باقي المؤسسات كلها، وإلا فان الأسرة المختلفة ستتصادم مع باقي مؤسسات المجتمع، ولذا فإن الأسر الثورية في محيط سائد متخلف ستلاقي العنت والشقاء وليس جنة الحريات كما يتوهم البعض.
صحيح الأسر هى البتقوم بالدور الأساسي في التربية، ولكن المؤسسات الإجتماعية الأخرى في التعليم والقانون والإعلام ومؤسسة الأسرة الكبيرة والعشيرة والقبيلة كلها تركز مع الأسرة في مراقبة إنحرافها عن النمط السائد والمساهمة في التربية والحرص على إعادة إنتاجها بنمط قريب للنمط المعتاد. وإن كان الأب والأم خارجان على النمط فمهمتهما العسيرة ليست في تطبيق افكارهما الحداثية في محيط الأسرة ولكنها بالأكثر في الصراع مع مؤسسات المجتمع الرامية لقولبة الأبناء في النمط المعتاد، وهذه مهمة بالغة الصعوبة وفي كثير من الأحيان قد تفشل.

التغيير هو تغيير(الهيكل ، المحتوى الثقافي والعلاقات) في المؤسسات وما بين المؤسسات المكونة للنظام ككل، وتظل المؤسسات في النظام ما ظلت قادرة على الإستجابة والتغير للتحديات التي يفرضها النظام والمحيط الخارجي، إلا إن عجزت مؤسسة عن الإستجابة عندها تولد مؤسسات جديدة.  الأسرة من المؤسسات الراسخة وظلت تستجيب وتتغير لمختلف التحديات عبر العصور، إذن ما اطالب به هنا هو تغيير الثقافة والعلاقات الوظيفية داخل الاسرة وعلاقة الاسرة مع النظام ككل نحو مزيد من الحريات والحقوق للأفراد المكونين للمؤسسة ،وليس إنهاء الاسرة كمؤسسة.
التغيير يبدأ بالفرد ولكن لكي يعاد إنتاجه ويتطور وينمو فلابد من أن يتم تطبيقه على مؤسسات المجتمع، وبالذات مؤسسة الأسرة.

الخميس، 9 فبراير، 2017

أغنية الثورة الأبدية

إذا في نظام إقتصادي إجتماعي مفتوح للنقد والتطور ويستطيع كلما خنقته السلفية السياسية ،الثقافية ، الاقتصادية والإجتماعية أن يعيد إنتاج نفسه متجاوزاً لما يحدد تطوره وما تكلس من قيمه. في مثل هذا المجتمع لن يكون النبذ والتشاتم او التكفير والإقصاء أسلحة في معركة التطور.
في نظام إقتصادي إجتماعي مغلق، سلفي في سياسته وثقافته واقتصاده واجتماعه ستقابل كل دعوة نقدية وتفكير مفتوح بأنها نبذ وشتائم وستواجه بالطرد والإقصاء والتكفير وربما القتل. والمثال هو النظام الإقتصادي الإجتماعي في مكة وشكوتهم من شتائم وإساءات الإسلام والمسلمين ومواجهتهم لهم بالتعذيب والقتل والحرب.
ليست هناك حرية مطلقة إلا على مستوى الوعي، كما انه لا توجد نظرية علمية مطلقة بمعنى أنها تستوعب الكون وتفسره مرة واحدة وللابد إلا على مستوى الوعي، وبرغم هذا فإنها وبوجودها هذا تمثل المنارة والهدف الذي يحرك العلماء فيصلون لها ولا يصلون. وكذلك الحرية المطلقة عموماً هى هدف ومنارة نسعى لبلوغها ولا نصل، لاننا محددون بالسياق الإقتصادي الإجتماعي.
لو ركن العلماء المبادرين لحدود الواقع العلمي لما أنجزت الفتوحات العلمية، ولو ركن الثوار والمبادرين لحدود وعرف وتقاليد الواقع الإقتصادي الإجتماعي لما حصل تغيير.
نعم رواد التغيير ليسو منقطعين كلية عن الواقع ولكنهم يمسكون بوعيهم ولا يتخلون عنه وهم يتفهمون ويطبقون ما يدعون له في سياقات الواقع وحدوده وقوانينه واعرافه، بل يستخدمون وعيهم لخلخلة حدود الواقع.
التغيير (وانا اقول انه فتح الأنظمة الإقتصادية الإجتماعية لمزيد من الحريات والحقوق عن طريق تغيير الوعي وطريقة التفكير السائدة) ينجزه الرواد والمبادرين والثوار بوعي يسبق أغلبية الناس ولمصلحة اغلبية الناس في المؤسسات الإجتماعية وبمواجهة النخب ومراكز السلطة في هذه المؤسسات التي لا تكتفي بنهب الناس اقتصادياً وقمعهم ولكنها أيضاً تؤسس وتدعم وتصين طريقة التفكير السائدة في التعليم والإعلام والقانون والأسرة، وبذا تتحرك الأغلبية، سواد الناس (ضد مصالحهم هم بالذات) وينبذون ويشتمون ويكفرون الثوار والمبادرين والقادة ضد مصلحتهم وتنام مراكز السلطة في المؤسسات والنظام ضاحكة وهانئة قريرة العين.

الثائر يتفهم حدود الواقع وقوانينه وعرفه وتقاليده ولكنه لا يتخلى عن الهدف النهائي، أقصى حرية ممكنة في النظام الإقتصادي الإجتماعي، وهو إذ يعرف حدود ما يمكن إنجازه في الواقع لا ينقطع كلية عنه وإنما يتصل بالواقع بما يكفي لخلخلة الواقع بكل طريقة ممكنة.
أن تكون مع الناس مع الأغلبية المهمشة المقموعة المنهوبة المسيطر عليها من مراكز السلطة ، معناها أن تكون مع حرياتهم وحقوقهم لا مع (طريقة تفكيرهم ورؤاهم) فهى في حقيقتها طريقة التفكير السائدة التي انتجتها وتصينها وترعاها مراكز السلطة وتعمل ضد حريات وحقوق الأغلبية المضطهدة والأدهى في مكر طريقة التفكير إنها تعمل برضا وقناعة من تعمل ضد حرياتهم وحقوقهم.
أن تكون مع الأغلبية المضهدة المقموعة يعنى أن تقف مع حريات وحقوق الأغلبية لا أن تتماهى مع رؤاهم وطريقة تفكيرهم، وإلإ أصبحت أنت بذاتك مستهدفاً بالتغيير وعائقاً للتغيير.

الثوار كلما تبنى النظام الإقتصادي الإجتماعي رؤاهم الجديدة وحولها لهياكل وقوانين ولوائح ونظم، مشوا خطوات للأمام، وكشفوا كيف أن الرؤى حينما تتحول لقواعد وقوانين ونظم وهياكل تجمد رؤى المجتمع الحية في الماضي، في حلول قديمة لمشاكل متجددة،. وهم حينها يتجاوزون رؤاهم ذاتها لرؤى جديدة ضد الحدود الجديدة للحريات والحقوق ومع الثورة الأبدية.

الثلاثاء، 24 يناير، 2017

ما بعد العلمانية، ما بعد السلفية


         في أوروبا القديمة وفي ظل سيادة النظام الإقتصادي الإجتماعي الإقطاعي المبنى على تراتب العرق والقداسة الدينية تأسست الدول في هذا الفضاء  التقليدي ومؤسساتها منحازة لأصحاب العرق النبيل ولأصحاب القداسة الدينية. كانت طرائق التفكير السائدة سلفية في كل مناحيها وبالذات في الرؤية المسيحية السائدة . 
عندما عجزت النظم الإجتماعية الإقتصادية بطرق تفكيرها السائدة في الإجابة على أسئلة حوجات الإستقرار والتطور التي تطرح من داخل النظم ومن محيطها، فاقمت النخب النبيلة والمقدسة، في وبمؤسسات النظام ، من قمعها وقهرها وتصفيتها لكل متذمر ولكل مختلف وتمادت طرائق التفكير السائدة في سلفيتها فدخلت حتى فيما بين الفرد وما يعتقده، ما بين الفرد وجسده.
في ظل هذا القمع المتمادي للحريات والحقوق وفي ظل عجز النظم الإقتصادية الإجتماعية بمؤسساتها عن تقديم حلول للأزمة وإجابات لأسئلة المستنيرين من منتقدي الرؤية السلفية من خارج الدين أم من منصة المسيحيين المؤمنين،  برزت رؤى دينية مسيحية متجاوزة للسلفية السائدة جعلت تجاوز التحديث لسلفية باقي المجالات ممكناً بدفع من الأيدولوجيات المنطلقة من الرؤى الدينية الجديدة والأيدولوجيات المنطلقة من خارج الدين.
بحجم قمع وقهر السلفية الدينية والإجتماعية، أغرى الإنتصار المدوي للأيدولوجيات المنطلقة من خارج الدين بعض النخب العلمانية المنتصرة على تمديد العلمانية، لا على مؤسسات الدولة بحيث يتم إبعاد التحيزات الدينية والعرقية والثقافية لتصبح دولة المواطنة والحقوق والحريات ممكنة فحسب، ولكن حُرم التعبير الديني حتى على المجال العام وتعبير المجتمع الحر عن صراعه وجدله المستمر والذي يقود تطوره. وتم إستبدال العسف السلفي الديني بعسف سلفي علماني.
من هنا فأنا أفهم ما بعد العلمانية كحلقة في تطور الحداثة الأوروبية جاءت تستعيد للدين المؤنسن دوره في المجال العام وتقلم أظافر السلفية العلمانية. وهنا أكرر: الدين المؤنسن والذي ينسجم مع شروط الحداثة وليس الرؤية الدينية السلفية والتي تم نفيها بالعلمنة وبالتحديث الديني.
هنا في السودان أعجب ممن يرددون مقولات مابعد الحداثة الأوروبية بخصوص استعادة دور الدين المؤنسن في المجال العام بعد نفيه من قبل العلمانية في حداثة اوروبا، وهم يتجاهلون عمداً بأن الرؤى السلفية للدين عندنا متمددة في الدولة وفي المجال العام والخاص. مثل هذا الحديث لن يحقق سوى استمرار إعادة إنتاج الرؤية السلفية السائدة ويهزم كل إمكانية لرؤية دينية حديثة.
يشابه هذا الموقف مع الفارق، موقف اليسار والذي في خضم هجومه على اوروبا الراسمالية ونظام السوق الحر يهاجم على البيعة اللبرالية (الحريات والحقوق)، مع أن عماد تغيير مجتمعنا السوداني السلفي الوصائي الأبوي هو أنسنة المؤسسات والمجتمع لإطلاق حريات الفرد من قهر التحيزات الإجتماعية والدينية والإقتصادية.
في الحالتين أتأمل بإعجاب مكر الأيدولوجيا السلفية السائدة، التي تذهل الإسلاميين المجددين واليساريين عن الواقع السوداني وعن القهر والقمع الذي يطال السودانيين تحتها، فيعجب الإسلامي المجدد بما بعد العلمانية بدون أن يبذل جهداً لتجاوز سلفية الواقع الإقتصادي الإجتماعي، ويهاجم اليساري الحريات الفردية أو في أحسن الأحوال يتجاهلها بإعتبارها إما خصيصة اوروبية أو من النقائص الملازمة للنظام الرأسمالي. في كل الأحوال الأيدولوجيا السلفية السائدة متمددة بإطمئنان واليسار واليمين يدافع عنها فيما يحسب انه من صناع التغيير. 
طريقة التفكير السلفية السائدة مُهَددة بعلمانية الدولة التي تفكك الإنحياز الديني والعرقي والثقافي من المؤسسات ولذا تهاجم الإرث الإنساني للعلمانية  بإعتباره الكفر والطاغوت، وتحرك الإسلاميين المجددين ليبشروا بأوبة الغرب الكافر مرغماً لحظيرة الدين مع ما بعد العلمانية. وكذلك هى مُهَددة بالحريات والحقوق ولذا تحرك اليسار لمهاجمة الإرث الإنساني لللبرالية بزعم أنها أساس النظام الرأسمالي الغاشم.
اذا اعدنا بناء مؤسسات نظامنا الاجتماعي وحيدناها تجاه التحيزات العرقية والثقافية والاقتصادية والقداسة الدينية،عندها سيكون لنا مجتمعات روحية لا تستخدم الدين لأفناء الاخر المختلف سعياً وراء تجانس عقدي متخيل، وإنما تمارسه لبناء التعاطف والتعاضد الانساني.
مشكلتنا ليست في محاولة المزاوجة بين روحانيتنا المزعومة وحداثة الغرب،مشكلتننا هى في استنقاذ انساننا من تحت ثقل السلفية الاجتماعية والثقافية والدينية التي تسحقه بالتحيزات .
لما لا نبدأ من حيث إنتهى الأخرون؟
لما لا نؤسس لدولتنا الحديثة بالمزاوجة بين ما بعد العلمانية وما بعد السلفية معاً؟
بين علمانية إنسانية مؤسساتية ودين مؤنسن في المجال العام؟
لكل أن ينطلق حسب رؤاه من منصة دينية أو من خارج الدين لتحقيق الهدف الموحد: دولة سودانية حديثة.
مجتمع "ما بعد العلمانية" ماذا يعني ذلك؟ بقلم يورغن هابرماس