الخميس، 9 فبراير، 2017

أغنية الثورة الأبدية

إذا في نظام إقتصادي إجتماعي مفتوح للنقد والتطور ويستطيع كلما خنقته السلفية السياسية ،الثقافية ، الاقتصادية والإجتماعية أن يعيد إنتاج نفسه متجاوزاً لما يحدد تطوره وما تكلس من قيمه. في مثل هذا المجتمع لن يكون النبذ والتشاتم او التكفير والإقصاء أسلحة في معركة التطور.
في نظام إقتصادي إجتماعي مغلق، سلفي في سياسته وثقافته واقتصاده واجتماعه ستقابل كل دعوة نقدية وتفكير مفتوح بأنها نبذ وشتائم وستواجه بالطرد والإقصاء والتكفير وربما القتل. والمثال هو النظام الإقتصادي الإجتماعي في مكة وشكوتهم من شتائم وإساءات الإسلام والمسلمين ومواجهتهم لهم بالتعذيب والقتل والحرب.
ليست هناك حرية مطلقة إلا على مستوى الوعي، كما انه لا توجد نظرية علمية مطلقة بمعنى أنها تستوعب الكون وتفسره مرة واحدة وللابد إلا على مستوى الوعي، وبرغم هذا فإنها وبوجودها هذا تمثل المنارة والهدف الذي يحرك العلماء فيصلون لها ولا يصلون. وكذلك الحرية المطلقة عموماً هى هدف ومنارة نسعى لبلوغها ولا نصل، لاننا محددون بالسياق الإقتصادي الإجتماعي.
لو ركن العلماء المبادرين لحدود الواقع العلمي لما أنجزت الفتوحات العلمية، ولو ركن الثوار والمبادرين لحدود وعرف وتقاليد الواقع الإقتصادي الإجتماعي لما حصل تغيير.
نعم رواد التغيير ليسو منقطعين كلية عن الواقع ولكنهم يمسكون بوعيهم ولا يتخلون عنه وهم يتفهمون ويطبقون ما يدعون له في سياقات الواقع وحدوده وقوانينه واعرافه، بل يستخدمون وعيهم لخلخلة حدود الواقع.
التغيير (وانا اقول انه فتح الأنظمة الإقتصادية الإجتماعية لمزيد من الحريات والحقوق عن طريق تغيير الوعي وطريقة التفكير السائدة) ينجزه الرواد والمبادرين والثوار بوعي يسبق أغلبية الناس ولمصلحة اغلبية الناس في المؤسسات الإجتماعية وبمواجهة النخب ومراكز السلطة في هذه المؤسسات التي لا تكتفي بنهب الناس اقتصادياً وقمعهم ولكنها أيضاً تؤسس وتدعم وتصين طريقة التفكير السائدة في التعليم والإعلام والقانون والأسرة، وبذا تتحرك الأغلبية، سواد الناس (ضد مصالحهم هم بالذات) وينبذون ويشتمون ويكفرون الثوار والمبادرين والقادة ضد مصلحتهم وتنام مراكز السلطة في المؤسسات والنظام ضاحكة وهانئة قريرة العين.

الثائر يتفهم حدود الواقع وقوانينه وعرفه وتقاليده ولكنه لا يتخلى عن الهدف النهائي، أقصى حرية ممكنة في النظام الإقتصادي الإجتماعي، وهو إذ يعرف حدود ما يمكن إنجازه في الواقع لا ينقطع كلية عنه وإنما يتصل بالواقع بما يكفي لخلخلة الواقع بكل طريقة ممكنة.
أن تكون مع الناس مع الأغلبية المهمشة المقموعة المنهوبة المسيطر عليها من مراكز السلطة ، معناها أن تكون مع حرياتهم وحقوقهم لا مع (طريقة تفكيرهم ورؤاهم) فهى في حقيقتها طريقة التفكير السائدة التي انتجتها وتصينها وترعاها مراكز السلطة وتعمل ضد حريات وحقوق الأغلبية المضطهدة والأدهى في مكر طريقة التفكير إنها تعمل برضا وقناعة من تعمل ضد حرياتهم وحقوقهم.
أن تكون مع الأغلبية المضهدة المقموعة يعنى أن تقف مع حريات وحقوق الأغلبية لا أن تتماهى مع رؤاهم وطريقة تفكيرهم، وإلإ أصبحت أنت بذاتك مستهدفاً بالتغيير وعائقاً للتغيير.

الثوار كلما تبنى النظام الإقتصادي الإجتماعي رؤاهم الجديدة وحولها لهياكل وقوانين ولوائح ونظم، مشوا خطوات للأمام، وكشفوا كيف أن الرؤى حينما تتحول لقواعد وقوانين ونظم وهياكل تجمد رؤى المجتمع الحية في الماضي، في حلول قديمة لمشاكل متجددة،. وهم حينها يتجاوزون رؤاهم ذاتها لرؤى جديدة ضد الحدود الجديدة للحريات والحقوق ومع الثورة الأبدية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق