التريند يخلق المستقبل بشروطه!

 (الناجحون يصنعون الأحداث، الخاسرون يتركونها تحدث، والمتفرجون يتساءلون عما حدث).

الوسائط الإعلامية الجديدة، التي صار عدد التفاعلات فيها يولد الدولارات ويبدل المواقع والطبقات الاقتصادية الاجتماعية، نقلت جغرافيا اجتماعية منسية لبؤرة شمس التواصل، وحولتها من صحراوات إعلامية لغابات تعج بالغريب من القصص والتفاصيل التي تتجدد في كل ثانية.

خلق الأخبار والقصص ونقلها كان يحتاج لمؤسسات تقف وراءها ووجوه لها رأسمال اعلامي لتمثيل هذه المؤسسات، وأصول إقتصادية مكلفة، وعائد تتقاسمه السلطات في هذه المؤسسات، واهداف لتحقيقها من وراء خلق ونشر الاخبار والقصص بصورة موجبة او سالبة، أو حتى حجب اخبار وقصص  محددة، أو تغييبها لانها لا تقع في رؤية هذه المؤسسات. كانت هذه المؤسسات والوجوه الأعلامية القديمة بمثابة بوابات ومرشحات للأخبار والقصص، فلن تسمع وترى الا ما يريدون له أن يسمع ويرى.

التكلفة الزهيدة للإعلام الجديد وسهولة صناعته، حولت الواقع الإعلامي لواقع سائل متغير يعتمد الترند والصرعات المتسارعة في الظهور، والنتسارعة في الزوال كذلك، وظهرت قصص واخبار وابداعات من غمار الناس يعجب بقصصهم ويتابعها الملايين في جميع أركان الكرة الارضية، ولو كنا ما نزال تحت سيطرة الإعلام القديم لما هددت إم ضريوة امريكا بالويل والعذاب ، ولو فعلوا لما سمع بهم  سكان حلفاية الملوك، ناهيك عن باقي الخرطوم.

هذا الواقع السائل ولد أبطاله القادرين على تسيد المشهد، مبدعين خلقوا لغتهم ومشهدهم الخاص، ولهم القدرة على إستبصار ما يحبه متابعوهم، بالطبع هم ليسوا على مقاس الرؤية القديمة السائدة عن "صورة الإعلامي" ولكنهم استطاعوا تحطيم هذه الصورة والصمود، بل والاستمرار وجذب متابعين من الإقليم ومن العالم لم يحلم الإعلامي التقليدي بالظهور على شاشاتهم ولو ليوم واحد.

خديجة امريكا، ماما كوكي،  كارتا، العمدة حاج الصافي، وأغاني ورقصات القبائل  الضائعة في الصحراء الإعلامية التقليدية، أصبحت مادة إعلامية غنية ولها مريدوها في كل أنحاء العالم.

هذه السيولة وتوالي التريندات جعل الموقف من الوجود، الموقف من المجتمع، الموقف من السياسة، الموقف الأخلاقي سائلاً ايضاً  ويتبع الترند وصانعيه، هذا لأن معظم أبطال الإعلام البديل ليس لهم موقف ثابت تجاه السلطات المختلفة، وقد يتبعون من يدفع.

الأبطال الجدد والوجوه اللامعة لمتسيدي مشهد الإعلام البديل وصورتهم الجاذبة تكسبهم سلطة على متابعيهم لا تقتصر على ما يقدموه من رقص، كوميديا، أو حتى شمارات، وانما قد تمتد إلى طريقة كلامهم، ازياءهم، ما يحبونه وما يكرهونه، وحتى قد يتبعوهم في نظرتهم للعالم، للاخلاق، والسياسة.  

لايفيد ولن يفيد شتم أبطال ووجوه المشهد الإعلامي البديل، فهم استحقوا النجاح فنجحوا. إن كنت تريد لهم أن تتغير بعض أفعالهم فقدم انت الصورة المختلفة "الجاذبة" بنفس شروط الإعلام البديل. 

تحتاج المؤسسات للمخيلة والإبتكار وأن يكون لها خطة استراتيجية مبدعة للإعلام البديل، وأن تنتج صورتها على نمطه، وان تقدم للعالم ممثلين لها قادرين على خلق ومجاراة الترند مع بقاء موقفهم ورسالتهم واهدافهم ثابتة، لا تتغير تبعاً للرياكشنات او لتبدل المواقف مابين النقيض للنقيض تبعاً للممولين.

نحتاج وجوهاً إعلامية في الإعلام البديل لها اخلاق ملتزمة بالمهمشين وضد السلطات التي تقهرهم، ولها القدرة على التعبير عن هذا رقصاً وغناءاً وتمثيلاً واحاديث، ولها القدرة على خلق التريندات بهذا المحتوى.

رقصة من أجل السلام في السودان تتحول لتريند قد تكون أقوى من كل العرائض للأمم المتحدة ومناشدات الكونغرس الامريكي، وحديث لكارتا عن العنصرية يهزم كل مداراة وكذب العنصريين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكتلة المدنية المستقلة عن الجيش والجنجويد، ضرورة

حتى لا يتمزق السودان

بيان موجه للثوار