السبت، 19 مارس، 2016

كلنا داخل النظام ، فمن المسؤول ؟


نقاش لمقال محفوظ بشرى (مرحباً أيها العصور الهمجية، لقد وصلنا) ولنقاش الفاضلابي للمقال


كلنا داخل النظام الإجتماعي الإقتصادي السوداني، وفاعلين في مؤسساته المختلفة: الدولة، الشرطة، المحاكم، الإعلام، الأسرة، العمل ، الجامعة، الطريقة الصوفية، القبيلة، لجنة الحي، الأحزاب، نادي الحلة، فريق الكورة، مجموعة القراءة،بيت الفرح وبيت العزاء، وحتى لجنة الوساطة والأجاويد.
الفعالية داخل النظام، الفعالية داخل مؤسساته، إما لترسيخ وتثبيت هذه المؤسسات وبالتالي النظام على ماهو كائن حالياً أو على ما كانه في الماضي. وإما لإصلاح النظام ليستمر (جوهره ) في الفعالية مع تشذيب ما يعيقه. وإما لتغييره، تغيير الفلسفة وطريقة التفكير التي تحكم حركته، وتغيير مؤسساته لتصبح مؤسسات ديمقراطية علمانية تعلي من شأن الحريات والحقوق.
حركة الأفراد والمؤسسات ككل تؤثر في النظام وتحدد حركته الكلية تجاه: الثبات، الإصلاح أم التغيير.
هناك أيضاً مقدرة النظام، المقدرة الهائلة لطريقة التفكير السائدة فيه على أن تدس نفسها وتحور نفسها داخل طرق التفكير التي تعتزم تغييره.وبينما يتحرك الأفراد والأحزاب الساعون للتغيير كالفأس التي تقطع، يريدون تسمية الهجليج بالصنوبر فتتغطى بلادنا بالجليد، يؤيدون تسميتنا بأبا اليزيد، وإبن الوليد فتظلنا الخلافة الإسلامية العادلة، ويحلمون (يسار ويمين) أن السلطة هى طريق التغيير، يعمل النظام الإجتماعي الإقتصادي كتشرب الأرض للماء قليلاً قليلاً، فتغيير النظام الإجتماعي لا يكون بالقطع والهدم، ولكن بالقطع والتواصل في نفس الوقت.فإذا كانت في العصور المظلمة في أوروبا هناك كنيسة إقطاعية (مؤسسة إجتماعية إقتصادية)، نجد أن الكنيسة ما زالت تعمل في عصر الأنوار والعلمانية، وللآن ما زالت تعمل وستظل تعمل.
تلخيصاً: أنا أحب التصوف السوداني وأحب التراث القبلي السوداني. أحب طريقتنا الصوفية السودانية في النظر للوجود، وأحب أساليب حياتنا البدوية والحضرية. ولكنني أسعى لأن تتخلص القبيلة من سيطرة مراكز السلطة فيها وأن يصبح الأفراد فيها منفكين من أسار الحوجة للأسياد، ومنفكين فكرياً من تقليد إتباع رأي الأسياد،
توزع فيها الثروة والأرض لمصلحة جميع منتسبيها. وهذا لن يحدث إن لم يعاد هيكلة مؤسسة القبيلة لتصبح مؤسسة ديمقراطية علمانية تعلي من شأن الحقوق والحريات، وربما لن تصبح من بعد قبيلة، ولكن بالتأكيد ستصبح مؤسسة سودانية متواصلة مع تاريخها الإجتماعي والإقتصادي ومنقطعة عن الظلم والغبن والقهر. ونفس الكلام عن الطريقة الصوفية والأسرة وكل مؤسساتنا، أن تدار كلها بديمقراطية لمصلحة افرادها.
لطريقة التفكير السائدة قيم وأدوات وطرائق لترسيخ هذه القيم، ومن يعيشون في ظل النظام، من يتربون ومن يتعلمون تحت ظل هذا النظام تركز طريقة التفكير السائدة في لاوعيهم، أشبه بردود الأفعال الإنعكاسية، ولذا فلدعاة التغيير، طريقة تفكير التغيير لابد من أن يكون مفكراً فيها، لابد من التمعن في آرائها وفي طرق تحقيقها، فإن ركنا للأفعال الإعتيادية اليومية فتأكد أنك تنفذ في السائد حتى وإن كنت تصرخ بالتغيير. لابد من ان تختلف أخلاق وقيم وأدوات تحقيق التغيير عن أخلاق وقيم وأدوات طريقة التفكير السائدة، ولابد من أن نكون واعين ومدركين عند القول والفعل التغييري، وإلا تلبستنا أرواح الآباء والأجداد، وخدعنتنا طريقة التفكير السائدة والنظام بأننا نغير في حين أنه يستخدمنا لترسيخ نفسه. (حاجة مخيفة.. موش؟!)
عشان كدا لما يجي كلام عن المسؤولية وتحملها، المسؤولية عن العنصرية، عن تهميش الريف السوداني، عن قهر المرأة ، عن الفقر والعطش والجوع والحرب، عن قهر وتشويه الطفولة، هناك مستويات للكلام عن هذه المسؤولية. على المدى القصير، نستطيع أن نحدد من يعمل على ترسيخ القيم السائدة للنظام وترسيخها، من يعمل على إصلاح النظام ومن يعمل على تغييره، من هو الشيطان ومن هو الملاك ومن هو البين بين.
على المدى الطويل، منذ الإستقلال وحتى الآن، مع مراجعة المقولات والأنجازات المختلفة، مع إستصحاب الواقع الحي وما يحدث فيه من مآس يومية، مع كل هذا أقول إن المقاصد والنيات والمقولات والبطولات والشهداء والمآثر والملاحم كلها لا تكفي للحكم على أي فصيل. فالواقع يقول (كلنا نشبه بعض، كلنا نعمل بنفس الأدوات: نحاول أن نهزم الآخر بإغتياله وتصفية وجوده، نحاول أن نغير النظام بالقبض على مركز السلطة فيه ومن ثم تشويهه بصورة متخيلة مستوردة إما من الحضارة الأوروبية، وإما من الحضارة الإسلامية. ولم نتعلم حتى الآن أن نجلس على الأرض مع أهلنا السودانيين لندرس مؤسساتهم، لنتفحصها ونهضم ما فيها من جمال وما فيها من قبح، وأن نحاول تغيير نظامنا السوداني بمؤسساته بقطع ما فيه من قبح وتواصل ما فيه من جمال).
من يمسكون بمفاصل السلطة في النظام واضحون.
من يقهرون وينهبون ويقتلون واضحون.
من يشوهون طريقة تفكير الناس ليظل القهر والغبن واضحون.
ولكن ماذا عنا نحنا، السلسلة الطويلة من دعاة التغيير الذين عجزوا عن إختراق هذا الحجاب الكثيف من الجهل والتجهيل،. لم نعجز عن تغييره فقط ولكننا ساهمنا أيضاً في إستمراره بترسيخ الأفكار المشوهه والأساليب الخاطئة ، والقيم التي تبدو مناقضة للسائد، ولكنها هي نفس القيم في حقيقتها ، ولن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج النظام، إعادة إنتاج الخراب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق